حكايات من حارة اليهود
حكايات من حارة اليهود أحمد سعد عبيد قصص قصيرة حقوق النشر © أحمد سعد عبيد 2017 الحقوق الفكرية للمؤلف محفوظة
كتابى للطباعة والنشر والتوزيع 11شارع ابن الغنام -الظاهر -القاهرة تليفكس00202 27879791 : المدير العام :محمود فاروق kitaby@yahoo.com جميع الحقوق محفوظة الطبعة األولي 2017 رقم االيداع2017 / 1959 : تدمك9789775038890 : الغالف :غادة خليفة التصميم الداخلي :أحمد نجدي مراجعة لغوية :محمود طلحة
أحمد سعد عبيد
حكايات من حارة اليهود قصص قصيرة
المحتويات لم أعرف يو ًما أ ّن أبي يكتب القصص 9.....................................
العيش الحاف ُير ّبي أكتاف 15.....................................................
يختفى كقط هارب من صاحبه 19...............................................
سكان األودش الجدد 23............................................................ ربما يصل صاحب الخطوات المتعثرة إلى نهاية الطريق 27........
قطط سوسو الهائمة33................................................................ البشارة 39................................................................................... صبغة شعر بيضاء 43...................................................................
ما تخشى منه يخشى منك 47...................................................... حال األنس 51............................................................................ مزار الطيف 55............................................................................
العصافير ال تأكل الجيلي كوال 59............................................... الحلبية63................................................................................ .. الهروب إلى النهر 67...................................................................
يا جريد النخل العالي 71.............................................................
الجنيهان75.................................................................................
قسوة قلب 79.............................................................................. معدل ضربات 83........................................................................ السيد خشبة يحمل سي ًفا 87.........................................................
بعض أكاذيب الحياة تنفجر صد ًقا.
نجيب محفوظ
لم أعرف يومًا أ ّن أبي يكتب القصص لم أبك عندما تو ّفي أبي ،حرصت أال تظهر دمعة على عيني،
استعنت بالصمت ،أدركت أنني أجز على أسناني عندما تكسر
بعضها ،سمعت همسات استهجان لتماسكي ،لم يفلح التربيت على ظهر ك ّفي عند التسليم وال طبطبة وأحضان أقاربى في كسر حاجز إخفاء مشاعري ،نظرت إلى أخي الصغير باستهجان عندما سمعت
بكاءه و ..وص َّمت.
ال أحد يعرف معنى كلمة (ظهري انقطم) ّإل بوفاة والده .تتراخى
المالمح الجامدة وينحني الظهر وتتهدّل األكتاف وتشرد العيون في منطقة ّ ظل بعيدة من الذكريات ،ويختفي ما يدور بالذهن والقلب،
شببت بظهري وفردته ،رفعت أكتافي ،وص َّمت.
ّ علي ويجب ّأل ينهار الجدار بوفاة أبي ،تع ّلمت الكل سيتكئ ّ
منه «التراضي» فحاولت أن أحافظ على بيت العائلة وال أبيعه ،لكن ّي استسلمت لرغبة أقاربي وو ّقعت العقد.
9
حصتي ووضعتها في حقيبة أبي السمسونيت السوداء. لملمت ّ كانت ملقاة في قاع الدوالب الذي يفوح منه عطر العنبر الذى ينتقل لك ّفك عند مصافحة أبي ،حاولت إفراغ الحقيبة ،لكن شغلتني كراسة تص ّفحتها ألجد في صفحتها األولى: بدرا ليلتها .لم يجدوا «ولدت في منتصف شهر نيسان ،كان القمر ً قابلة تخرجني للحياة (كان اليوم األول في عيد الفصح) فخرجت إلى القاهرة وحدي أصرخ فيها وأعلن غضبي عليها.
جاء أبي من ّبر الشام إلى حارة اليهود بدعوة من ّ كل من الخواجة جوريان والخواجة كورييل ،انتقل بين أكثر من مكان في المنطقة. ولدت في بيت الخواجة كامل في غياب أبي.
في الشهور األولى من عمري اندلعت حرب فلسطين ،عاد أبي ً جمال تحمل ومعه حكاياته عن تن ّقله بين الفدائيين .كيف أدخل أيضا «. صناديق المؤونة للفالوجا .غيّر اسمه واسمي ً
ّ خط أبي بنغبشته بالحبر األزرق ،ميل حروفه في ذيل الكلمات ّ التحول من ّ الخط الديواني في جملة خط الرقعة إلى للسطر التالي، ّ مرات .أذكر محاوالتي واحدة ،نونه المستديرة أحيانا والحا ّدة برقعتها ّ لتقليد خطّه بال طائل ،ابتسامته عندما رآني أمشي بمحاذاته وأنا أزك بقدمي اليسرى مثله ،إصراره على استخدام لفظ خواجة بالرغم من تغيّر داللتها. شغلنى خاطر أنّني لم أعرف يو ًما أ ّن أبي يكتب القصص .عرفت
10
وتنوع قراءاته لكن ّه لم يكن كاتبا .قطعت المسافة بين اهتمامه باألدب ّ بيتنا ومكتبي في ثالث دقائق .تذكّرت أبي ولمعة عينيه وهو يحكي،
رفعه ألكتافه والرسم في الهواء بساعديه ،وكيف كان يرفع الهواء حول رأسه وكأنه يرفع ً عقال فلسطينيًا ،سخرية أ ّمي من دموعه عندما يتذكّر والده وانحناءه للزمن من بعده ،فيضحك ويبكي في نفس اللحظة. يالحقنا ،نتقافز من حوله ،أتع ّلق أنا بذراعه حتّى ال يصل إلى أ ّمي ويقبّلها في أذنها.
صحوت من شرودي في مكتبي ،طلبت فنجان قهوة وعدت إلى
الحقيبة ،أفرغت محتوياتها أمامي وأعدت ترتيبها ،جنبت ميدالية
نحاسية على شكل نجمة مكتوب عليها بخط بارز (نجمة فلسطين ـ المملكة المصرية).
فردت ورقة مطوية مطبوعة (هيئة وادي النيل العليا إلنقاذ فلسطين)
50جنيها مصريا.
الكراس األخضر بأوراقه الصفراء وتص ّفحته ،يشبه بطاقة أخرجت ّ
التموين القديمة الورقية بالمر ّبع المخطوط في منتصف الغالف
األمامي ويشبه كتا ًبا لوزارة التربية والتعليم من الغالف الخلفي
بصورة جمال عبد الناصر في اليمين وصورة عبد الحكيم عامر في اليسار ومستطيل طويل على طول الغالف مليء بنصائح للفتيان.
مصفر بخطوط زرقاء، الكراسة من المنتصف ،الورق ّ فتحت ّ
وجدت فاصل عبارة عن عود ريحان يابس ،قرأت:
11
«عملت قمسيونجي بالصاغة ،حملت عن أبي حقيبته ومشيت خلفه أحصي البالط الحجري وأتأمل مباني القاهرة .لم يدخل أبي مدرسة وال يعرف من الكتابة سوى ّ خط اسمه ،لكن ّه حفظ القرآن وتح ّدث الفرنسية .ع ّلمني لغة الصنعة بمفرداتها العبرية ،ك ّلنا في الحي نتحدّثها ،لك ّن الفرنسية تع ّلمتها من استير في مقابل أن أع ّلمها ّ العربية .كنت أرى لمعة عينها عندما ألتفت اليها وهي تمشي بجواري ويدها في ساعدي .عندما شعر الرفقاء بزهوي بها أطلقوا عليها (المعدّسة) ،النمش في وجهها كحبّات العدس لكن ّها جميلة ،يكفي عطرها وشعرها الغجري المتطاير على كتفي .كنت أوصلها لفاترينة ممر الكونتننتال وأنتظرها عند عودتها لنجلس في قشرة الجمل في ّ جروبي ونتدارس».
إستر كانت ُتد َِرس في الفرير على ناصية الشارع ،عاشت وحيدة في ش ّقة في الدور األخير ،اآلن فقط فهمت احمرار وجه أ ّمي عند ذكر تزوجت مسل ًما وانتقلت لألسكندرية .انقطعت سيرتها بالرغم من أنّها ّ أخبارها رغم المو ّدة بينها وبين الناس ،وأصبح بيتها اآلن عمارة للورش. الحارة ك ّلها عمارات متجاورة قبيحة للورش ،تفوح منها رائحة سبك المعادن وأدخنة الميتريون المتطايرة من سحب التصنيع .الحارة ليس ما يحكي عنه أبي في كراسته ،ليست مم ّهدة بالحجر الجيري وال يمشي بها أحد يحصي بالطها ويتأ ّمل مبانيها ،سيصطدم في الزحام بسيارات مح ّملة بالبضائع وصراخ التجار مع الزبائن .بقي من أبنيتها القديمة ثالثة بيوت مزخرفة بنجمة داود وبرسو ٍم لورودٍ بارزة. 12
عند فاصل آخر عبارة عن كمبيالة مطبوعة بالفرنسية واسم جدّي مكتوب في أحد الفراغات بالعربية ومكان ختمه في أسفلها مكشوط ومفرغ لدرجة ثقبها:
«الالسلكي يتساقط يوما بعد يوم ،عربات حكومية تصل للحارة لنتساءل من؟ ،يدخل الجنود بأسلحتهم ويخرجون بأحدهم وأجهزة أرسال واستقبال .خروج بال عودة ،أيام وتلملم أسرته بعضها وتختفي، يخرجون في الليل بهدوء .األغلبية باعوا في عجل أو بهدوء مصطنع. الخروج الرسمي من مصر ألف جنيه ،الشايب يشتري منهم ويخزن ويهرب أموالهمّ ، تغض البصر الكل يعلم دوره في التهريب ،الحكومة ّ ّ عنه ،من عامل يدفع عربة أزج معدنية ،إلى أحد أصحاب األمالك في ً استغالل للموقف .الخوف في الحارة .الكثير اشترى منهم تعاط ًفا أو العيون ال يختفي ،التل ّفت ،التر ّدد والتلعثم ورعشة اليدين أثناء ع ّد الثمن ،يس ّمونها ملحمة شيشيت ها ياميم ونس ّميها النكسة ،نشتري منهم من أجل العيش والملح والعشرة». أول من هدم بيتًا وأقامه عمارة للورش ،اشتراه من الشايب هو ّ جدّي .يبيع ليشتري من جديد ،لم يبق من ّ كل البيوت التى اشتريناها وبعناها سوى بيتنا هذا .أبي لم يذكر أ ّن الشايب من أباطرة األعمال، أحفاده اآلن أصحاب قرى سياحية ومنتجعات .الشائعات تقول أنّه بحصته في التهريب ويدّعي أ ّن السلطات صادرت لم يكن يكتفي ّ المهربات ،بعد كل شايب ،يظهر آخر يهدم البيوت القديمة ويبني ّ ويتحول إلى شايب جديد .نحن لم نكن نهدم ونبني ،لم نشارك ّ 13
لكن ّنا صمتنا ،شككنا ولم نتداول اإلشاعات وبقينا للنهاية ،واليوم حصتي تكفي مقدّم شاليه لدى الشايب لو د ّبر لي خص ًما بعنا كغيرناّ . أو قبل التقسيط .سخر من ّي أبي عندما سمعني أهاتف أحدهم مرد ًفا لقب بك ،رأيت نظرة تهكّم في عينيه وأنا أفكّر في الشراء من البهوات الجدد ،كعادته ز ّم شفتيه وطرق برأسه ،يصمت برهة ثم يلقي مثال أو بيت شعر ويتركني أبحث عن مقصده. ضحكت وأنا أتخيّله يلقي بيتًا من أميات نجيب سرور ،بكيت ألنّي أفتقده.
14
العيش الحاف يُربّي أكتاف جئنا إلى القاهرة في هوجة التهجير مع العدوان الثالثي .تركنا بيتنا بحي األربعين ودكان أبي المختص بعرق البلح ،إلى شقة في أعلى بناية بمنطقة درب البرابرة بالموسكي ،حيث عبور الشارع عبر ّ خط الترام لدخول كنيسة زويلة ،وتناول البرشان ،وشراء الخبز والخل مرة أخرى مرورا ّ بخط الترام ،وأسمع من الخواجة «بيسح» ،والعودة ّ همهمات أبي عن رغبته في شراء دكان الخواجة «أرتين» ،واقتراح أ ّمي أ ّن دكان «سوسو الدباح» أحسن ومداري ،وإنكار أبي تهمة الطمع عن نفسه بأ ّن أرتين خواجة وح يسيب البلد لكن سوسو مصري وقاعد. أول رغيف خبز تناله يدي أدس يدي في الكيس الورقي وأقطف من ّ ّ علي قطعة وأرميها في حلقي قبل أن ينتبها لي .تالحظني أمي فتميل ّ علي ،يتو ّقف الحديث حتّى وتحمل عن ّي الكيس ّ محتجة بأنّه ساخن ّ نصعد إلى بيتنا .تتناول أختي تريزا األكياس منهم وتفرد الخبز على لتحضر اإلفطار. الطاولة حتّى يبرد وتدخل إلى المطبخ ّ نجلس في الصالة المتّسعة على الكنب االسطمبولي في انتظارها.
15
تكف عن النوم وتتّجه لمساعدة أختها تنادي أمي على عواطف لكي ّ ويبدأ أبي في حكاياته المتكررة. كان يحكي لنا« :الجنيه الورق كان يساوي جنيه ذهب وخمسين فضة .كان أغلى من جنيه جورج الذهبي». تلقمني أمي قطعة خبز ساخن ،ألوكها ببطء واستمتاع. يقول أبي« :كنت أهتف توب الدمور بخمسة أبيض». أش ّد قطعة من الرغيف الساخن وأمضغها على مهل.
«في الحرس الملكي كن ّا نشوف موالنا زي األسد ،كان له لبدة على كتافه ،ولما يتمطع كأنه في غابة بيصرخ».
إلي تاركا سرده« :يا واد ما تكلش العيش حاف كده يلتفت أبي ّ من غير غموس! ناوليه قوطة وال خيارة وحطي له جبنة في العيش». وأمتص مياه البندورة وألقيها جانبا. أترك الخبز الملطّخ بالجبن ّ
«كنا في سيناء ساعة الفالوجا ،عملت بدوي ودخ ّلت لهم جمل محمل مون ،ما كنش عبد الناصر سهل ،سألني عشان يوقعني في الكالم ،قلت له يعيش موالنا وجيش موالنا». أنهض تجاه الخبز المفرود على الطاولة وأتناول رغيفا وأختبئ به داخل خزانة الكنبة االسطمبولي. «ما تشوفوا حاجة للواد ده بدل العيش الحاف ده».
تر ّد أمي عليه أ ّن العيش الحاف ير ّبي له كتاف. 16
ترص عواطف األطباق على الطاولة ،وتلحق بها تريزا التي ّ تجلسني على حجرها وتكتف يدي وهي تحاول عبثا أن تزغطني مثلما تفعل مع ّ البط .أصرخ وأغلق فمي وأبكي وأ ّدعي الموت. يشدّني أبي منها وهو ير ّبت على ظهري حتّى تزول الزغطة المز ّيفة. تناولني أ ّمي كوب الماء وهي ّ ترش منه رذا ًذا على وجهي حتّى يزول احمراره .أفلت منهم وأخطف رغيف خبز وأركض إلى التراسينة، أنزع بأسناني قطعة كبيرة منه وأنا أصعد السلم إلى السطح ،وأجلس على سوره وأنا آكل وأفتل من بطانته الطرية فتاتا للطيور لتأكل معي.
17
يختفى كقط هارب من صاحبه باكرا من البيت إلى دكّانه ،يرتدي جلبابه الكستور كان جارنا يخرج ً المخطّط بالطول والجاكت فوقه ،ويعلو فوق رأسه طربوشه األحمر ذو يكف عن التحرك مع مشيته ،يخرج ديفيد في أثره بشعره الزر الذي ال ّ المص ّفف وقميصه األبيض المفتوح حتى أسفل صدره وبنطاله الرمادي.
باكرا، لم يكن يذهب للمدرسة اإلسرائيلية معنا ،كن ّا نخرج منها ً وكان يعود ّ متأخ ًرا عن ّا بساعات ،كان في مدرسة «الفرير» على ناصية الخرنفش ،وأخته سارة تدرس بال «بون باستير» ،بينما تبقى الخالة توزع علينا البومبون ،وتبعدنا عن باب أم زكي التي كانت تخرج إستير ّ تكف عن ُخربه ،مع أنّها ال ّ لتتحسس الحائط وهي ال ترانا و َتدّعي أنّنا ن ّ ّ النداء علينا يوم السبت إلطفاء النور ،ومع هذا فهي ال تعطينا بومبون مثل الخالة إستير .كانت األبواب مفتوحة دائ ًما ال تغلق ّإل عند النوم ،وكانت ش ّقة ع ّم زكي مكانًا مالئ ًما لالختفاء ،فهو خادم معبد نادرا ،وأ ّمه كفيفة ال ترى ،إنّها تسمع القرائين ،وال يظهر بالبيت ّإل ً ّ وتشك فينا بدا ٍع وبدون داعٍ. همسنا 19
يجذبني أبي من يدي إلى الدكان ،أمشي معه وأحاول أن أق ّلد مشيته، إذ يفرد صدره العريض ويخطو بهدوء وجلبابه الصعيدي يبرز أكتافه العالية ،والصديري الحريري يظهر من فتحة الجلباب المسرجة بقفطان ذهبي ،وعمامته البيضاء تزيده ً شب بجسده ستطول طول ،كنت أظ ّن أنّه لو َّ رأسه السماء ،لم يكن يستخدم الحديدة لجذب باب الدكّان من أعلى، فقط يم ّد يده وينزل به ،أحمل المنشأة وأجلس على كرسيّه أق ّلده لحين انتهائه من الصالة ،أعرف أنّه لن يضربني ،لكن ّي أخشى نظرته عندما أخطئ في محاسبة الزبون ،وأخشى أن يزغدني بطرف ك ّفه في كتفي يكف عن تعليمي معاقبا لي أنّني قصصت القماش ناقص سنتيمتر ،وال ّ أقص بزيادة فنخسر، أن أزيد فضلة ليأخذ الزبون ح ّقه ،بينما أخشى أنا أن ّ كنت أهرب بعدها متجها إلى البيت ،وكنت أعرف أ ّن أخي األكبر سيأتي في إثري ويحملني إلى الدكان ،ولهذا كانت ش ّقة عم زكي ضرورية.
أركض إلى البيت ،أقف حتّى تهدأ أنفاسي ،ثم أدخل أسفل سرير أم زكي ،سرير نحاسي ٍ عال بعمدان تقترب من سقف الغرفة المرتفع، تنزل من عمدانه ناموسية ناعمة ش ّفافة تالمس األرض وأطراف المالءة ،تحت السرير كليم ،أجلس عليه ورأسي ال يصل إلى الشرائط المعدنية للسرير ،أرقد وأتأ ّمل تداخل الشرائط المعدنية وأتساءل: ل َم ليس لديهم ُم َّلة خشبية مثلنا؟! وأرسم بإصبعي على الكليم قطعة أقصها وأن أحافظ على قماش زاهية اللون ،وأتّكئ وأنا أحاول أن ّ المقاس ،وأزغد نفسي وأقول :ما تقطعش بالناقص ،إقطع بالزيادة، إدي الناس حقها .إنت ايه ما بتعرفش ربنا! 20
تهتف أ ّم زكي منادية خالة إستير التي تأتي إليها .تسألها أن تبحث ٍ عن ٍّ مختف تحت السرير ،تهبط إستير على األرض بيديها وترفع قط إلي مبتسمة ،وهي تخبرها :القط ده هادي راقد مالءة السرير وتنظر ّ ما بيعملش حاجة. أم زكي :طب حطي له حاجة ياكلها.
تقول إستير :ح ابعت له سارة تهشه لو بيضايقك.
تخرج وتترك أم زكي فوق السرير وهي تبسبس حتى أخرج من تحت السرير. تأتي سارة وهي ال تزال بمالبس المدرسة:
?Salut, ça va ?Tu vas bien, sara Ça va
ما تتكلميش فرنساوي يا سارة عشان القط ما يفتكرش ان إحنا بنتكلم عليه.
إلي تنزل سارة وتراني وتسخسخ على نفسها من الضحك .تشير ّ أهز أكتافي رافضا ،تدخل بالبومبون حتى أخرج من تحت السريرّ . إلي وهي مبتسمة ،وترقد بجواري وتقبلني في رأسي وتسألني :مالك ّ مين ز ّعلك؟ ال أجيب.
21
علي وتعطيني البومبون وتخرج :سيبوه هو ح يخرج لوحده. تر ّبت ّ
غلبني النوم ،صحوت ألجد نفسي في سريري ،وال أعرف من حملني وال كيف أو متى ،فقط أستمع إلى تلميحات عن القط الذي يختبئ تحت سرير أم زكي وال يستطيع إخراجه ّإل الجميلة سارة.
22
سكان األودش الجدد أذكر وقع خطواتي المتتابعة على الحجارة البيضاء ،النتوءات نعمتها وقع األقدام ،أنطلق خلف خالي إلى بيت العائلة القديم، يذهب الستالم اإليجار عند مطلع ّ مرتي األولى كل شهر كانت ّ تعرجات غير متناهية ،حوائط البيوت معه ،يلتو بنا الطريق في عدّة ّ العالية تزخرفها إطارات ناعمة بلون مصفر مغبر وأبوابها المعدنية يتوسطها رسم لنجمة داود، المشكّلة من أعمدة متوازية ومتشابكة ّ تتوهج وأبواب أخرى خشبية يبرز في وسطها رسم لشمعدان ّ شعلته ،نقف أمام النادي الزيوني ونلتف للبيت المواجه ،ننزل درجة التفت إلى البوابتين المفتوحين عالية ،يخطوها خالي وأقفزها، ّ على مصراعيهما ،مشبوكتان إلى الحائط بشنكل حديدي طويل يعلوه الصدأ ،وحافتاهما السفليتان مغروزتان في األرضية ،الرخام المعرق في األرضية تشتبك عروقه المفرجة في حافة البوابتين، ترتسم الخطوط الحمراء الباهتة وتنحرف حوا ّفها بجوار حوائط الحوش الواسع المز ّينة بعتبة خشبية كان لونها بنّيًّا ّ تقشر عنها 23
الطالء في أغلبها .تنفرج أبواب خشبية في حوائط الحوشّ ، يطل من بعضها نساء يرتدين جالبيب منزلية ،ويستند إلى أحدها رجل يقف على قدم واحدة ويستند باألخرى الملوية على البابّ ، يدخن سيجارته ،وينفث دخانها وهو يراقب تصاعده إلى السماء .يلقي عليه خالي التحية فير ّد عليه رافعا يده اليمنى ،أرى وش ًما لصليب بلدي على طول ذراعه ،يتوسط الحوش سلم خشبي مسور بترابزين نحاسي غير المع ،يقف الدرج صعودا أظن أنه ال ينتهي ،أسمع صرير الدرجات الخشبية فألتفت إلى الخلف ،يصيبني الذعر من انتصاب السلم وأخشى السقوط .أنظر إلى السماء وأعاود النظر إلى الدرجات حتّى أصل إلى نهايتها ،أنطلق راكضا في الكوريدور، يقف خالي مكانه وال ينطلق خلفي ،ألتف حول ترابزين الكوريدور ألصل في نهايته لخالي الذي ينتظرني ،أمسك يدي حتى ال أفلت منه ،أغلب األبواب مغلقة ومع ّلقة بها األقفال ،نصل إلى الباب في الزاوية اليسرى من الكوريدور ،نقف أمام باب خشبي مزدوج به شراعتان زجاج مطليتان بلون أبيض وتحدّ هما قوائم حديدية مطلية بلون الباب البني ،ينقر خالي الباب ثالث نقرات متتابعة وينتظر ويعيد النقر ،ينفرج الباب عن سيدة في العقد الثالث من العمر بيضاء ممشوقة القوام ترتدي إيشارب أخضر مز ّين برسوم لورود روزية وينحسر عن شعر بن ّي ناعم تنفلت بعض خصالته على جبينها ،ترتدي جلبا ًبا قطنيًا بح ّماالت يصل إلى منتصف فخذيها ،انشرح وجهها لرؤية خالي وابتسمت وأحاطته بذراعيها علي تقبّلني وهي تسأل عني ،احتضنتني عندما وقبّلته ،ومالت ّ 24
عرفتني وهي تسأل عن والدتي وأحوالها ،ولجنا من الباب ألجد ً طويل في آخره باب مغلق وعلى جانبيه ع ّدة أبواب ،دلفنا روا ًقا أول باب على اليمين ،جلسنا على كنبة اسطنبولي ،واستند إلى ّ خالي على وسادتين في منتصف الكنبة ،غابت عن ّا دقائق قليلة وعادت بصينية عليها كوبا شاي وليمون ،وكان على كتفيها شال أخضر ،ابتسمت في وجها عندما الحظت تع ّلق عيني بمفرق نهديها مع ّلقة (بتبص علي ايه يا مبصبصاتي) .زغدني خالي فالتفت إليه زاجرا ،رفعت كتفي إلى أعلى وتناولت كوب إلي ً ووجدته ينظر ّ الليمون وارتشفت منه عدّ ة رشفات ،تساءل خالي عن والدها، أصرت على بقائي لترسل اعتذر وجذبني من يدي لنخرج ،لكن ّها ّ معي اإليجار فور عودته ،سألني خالي عن معرفتي لطريق العودة، أومأت له باإليجاب عندما أشارت لي .
يصر على أن أعود بأسرع وقت ممكن ،أغلقت تركنا خالي وهو ّ الباب خلفه ودخلت خلفها إلى المطبخ ،كانت تقلب في حلة نحاسية فوق بتوجاز مسطح مطلي بميناء أبيض ،سحبت كرسي حمام ووضعته أشب على أطراف أصابعي حتّى أنظر إلى بجوارها ووقفت عليه وأنا ّ ينكب فوقي، ما بداخل الوعاء ،ابتسمت لي وهي تحذرني حتّى ال ّ خرجت من المطبخ بعدما أغلقت البتوجاز وأنا خلفها ،أراقب حركتها عن كثب ،تفتح الباب المغلق في مواجهة الرواق ،الغرفة تغرق في تتسرب من بين ثغرات الشيش المنسدلة الظالم ،فيما عدا أش ّعة دقيقة ّ عليه ستائر بيضاء مخملية ،ينتصف الغرفة سرير معدني ٍ عال بقوائم، 25
تتج ّمع ستائره عند كل عمود ومربوط بزيق حريري ،ترقد على السرير، وأحاول الصعود عليه ،تساعدني وأرقد بجوارها ،تحتضني ،تنتفض فجأة وتخرج من الغرفة ،أقفز وأركض خلفها ،تتناول إنا ًء فخار ًيا من المطبخ وتفتح باب الشقة ،تعلقه وتتجه إلى سلم جانبي في آخر الكوريدور ،تصعد إلى السطح وتفتح عشة خشبية من البغدادلي المطلي باللون األخضر ،تضع اإلناء الفخاري بداخلها ،تتّجه الدواجن إلى اإلناء وهي تلتقط منه ،تتناول مسقة المياه وتطلب من ّي االنتظار بجوار العش ّ وأل أفتحها لحين ملئها ،تنزل هي وبمجرد أن تختفي في الدرج حتّى أفتح العش محاوال إمساك الديك األسود ،تنطلق الطيور من ّ العش وأركض خلفها محاوال إعادتها بال طائل ،تصعد وتوجهني لجمع الطيور ،أرفض وتراني ،تضع المسقة وتقرص أذني ّ وأصر على االنصراف. العودة إلى الشقة ّ
26
ربما يصل صاحب الخطوات المتعثرة إلى نهاية الطريق يقبع دكّان ع ّم يونان على ناصية حارتنا في بيته القديم الذي بناه مخصص لبيع الخمور ،ليس ببار عبر السنين طاب ًقا تلو آخر ،دكّانه ّ
وال يوجد به مكان لتناول المشروبات ،فقط يغ ّلف لك الزجاجة في ورقة
بيضاء أو صفراء ويضعها في كيس بالستيكي أسود ،تدفع ث ّم تنصرف،
كان ع ّم يونان يزجر الجالسين على الرصيف أمام الدكان ويسبّهم بأفظع الشتائم ،ال يقبل بجلوس السكارى أمام محله ،اشتر زجاجاتك وانصرف ،ربع ،نصف ،أ ّيا ما كان انصرف به وتناوله في مكان آخر.
يخرج بنفسه لدوران الشارع ليتأكّد أنّه ال يرقد أحد زبائنه في
الطريق ،وإن وجد أحدهم دفعه بيده ليفيق ويصرفه.
يفر من أمامه وهو كنت شغو ًفا بمراقبة من يفلت من قبضته ،أو من ّ
يجري لينطلق في الحواري المجاورة ،أو يعبر من حارتنا ليتّجه إلى بيته
وهو يترنّح ،أقارن بين ما أشاهده في الواقع وبين األفالم العربي ،ففيها
27
تنتاب السكير زغطة ويهتف أنا جدع ويمشي مترن ًّحا ،قدماه تتعارك مع تراب األرض وتتجه سبعات في ثمانيات ،الواقع مختلف ّ فكل سكّير له مشية مختلفة عن اآلخر ،من يم ّد في خطوته ومن يتراقص مثل أغنية الرقص تحت المطر ،وأحدهم يقف لتحيّة ع ّم أحمد ّ الحلق في منتصف الحارة ويخلع جلبابه ويهتف( :يا ع ّم أحمد يا أمارة يا حالق العمارة تسمح تمسي عليا بسيجارة) ،ثم ينحني له في أداء مسرحي جليل وينتصب قائما فجأة وهو يش ّد جسده وينطلق في مارش عسكري حتّى يخرج من الحارة ،القليل كان يغيب عن الوعي في قارعة الطريق ،لكن ّي ال أنسى الشيخ الملتحي صاحب زبيبة الصالة الذي دخل يص ّلي بنا وتساءلت سري ُ الفجر وغن َّى ( )........بدال من القرآن ،ضحكت في ّ عن إمكانية دخول ع ّم يونان الجامع ليخرج الشيخ السكّير من إمامة الصالة وعن جواز أن يتقدّم آخر لإلمامة ،البعض خرج من الصالة وأعادها بمفرده والبعض أقام الصالة مرة أخرى جماعة بينما انصرفت منشرحا منتشيًا كأنّي في حالة سكر من اتّباع اإلمام السكير. أنا ً اتجهت إلى البيت ومررت من أمام دكّانه ،ع ّم يونان بعينه الخضراء ووجهه األصفر الذي لم تفلح الخمر في تغيير لونه ،كان شديد النحافة ،تبرز عظام وجنتيه وعروق رقبته ،يحرص على ارتداء مالبس أحس بالدماء ساخنة في عروقه أغلق باب دكانه، واسعة ،فمتى ّ وتغاضى ع ّمن يرقد في الشارع من السكارى وصعد س ّلم بيته متقافزا كأنّه يخشى من فوات أمر ما. يفتح شيش البلكونة وير ّدها ليدخل الهواء البارد من شرفته في
28
المارين في الدور األول ،تتساقط آهات وغنج عشقه لزوجته على ّ الشارع ،فال يعلم السكّير إن كان مايسمعه من نشوة السكر أو هو أصوات حقيقية.
تخرج زوجته يوم األحد صباحا إلى الكنيسة ،بشعرها األحمر الالمع وعينيها الالمعة من الليلة السابقة ،تجري الدموية في وجهها وخطوتها تلتف حولها نساء الكنيسة يلتمسن الدفء من جسدها نشيطة ال تهدأّ ، الحار ،تنطلق الضحكات صارخة وه ّن عائدات ،تميل عليه ّن بناتهن وتدسها وأوالدهن ،تخرج إحداهن من صدرها ورقة مالية مطوية ّ وتوزع علينا الحلوى في يد ابنتها ،تفتح زوجة يونان البوك في يدها ّ والبنبون ،أحيانا يأتي نصيبي في لقمة من خبز الكنيسة ،آكلها وأنا أمشي وال أنتظر ،عيني دائما على ابنة يونان ،تصل رأسي إلى كتفها عندما أم ّد قامتي وتشرئب عنقي ،تسبقني بعامين في الدراسة ،ضفيرتها الحمراء تتأرجح مع مشيتها الراقصة ،مريلة المدرسة الكاروهات تتمايل صعودا وهبوطا مع تراقص ردفيها تتماوج أعلى ركبتها وتهبط ،يفوح منها عطر مرة أشبه برائحة كوكتيل الفواكه ،تخيّلت أ ّن لها طعم الفراولة ،حاولت ّ ألتذوق وجنتها. أن أقترب منها وأخرجت لساني ّ اشمأزت وهي تقول :إيه القرف ده؟
أشحت بيدي في وجهها (مطلعش طعمك فراولة وال حاجة)
واتجهت للحائط وبصقت وأنا أمسح فمي وأنظر إليها بطرف عيني ،عندما أدارت وجهها عني ،ابتعلت ريقي واستحضرت رائحتها وهمست لنفسي (طعمك طلع موز يا بنت اللذينة) 29
عرقلني أخوها من قدمي عند عودتنا من المدرسة وهو يسبني بالمعفن المقرف ،ويطلب من ّي ّأل أمشى معهم من المدرسة وإليها، توجهت نحوه نهضت من األرض وأنا أبتسم وانتظرت حتى ّ التفّ ، ونزغت اصبعي الوسطى في ّ مؤخرته وركضت في االتجاه المعاكس، انتظرت في نهاية الشارع وتع ّلقت بيد الشيخ السكير وأخبرته أ ّن شكري ابن ع ّم يونان المسيحي ضربني وأنّني أخشى أن أعود إلى البيت كي مرة أخرى ،أمسكنى من يدي ثم وضع يده على ال ّ يترصدني ويضربني ّ يمسني أحد. كتفي وطلب من ّي أن أمشي إلى جواره ولن َّ تمسكت بجلباب الشيخ كان شكرى وأصدقاؤه ينتظرونني بالفعلّ ، وأخرجت لساني لهم ،مالوا على األرض والتقطوا األحجار وألقوها علينا ،سال دم الشيخ بينما انطلقت أجري إلى بيتنا وأغلقت الباب خلفي ،الحجارة تنطلق من الحارة إلى شرفتنا ،أمي خرجت لتسمع من العيال إن الشيخ دمه سايل تنده على أم شكري لتنهي الموضوع حتى يرجع أبي من عمله ويجد حال .
ال أجاوب على أسئلة أبي وال أرفع عيني من األرض أتأمل الكليم البني المخطط .أسمع كلمات أبي وال أعي منها شيئًا ،يقبض أبي على كفي ونذهب إلى بيت عم يونان ،عند دخولنا من الباب تضيق عين يونان ويختفي خضارها وتلوي زوجته فمها ،ويردف (يعني من جه لحد بيتك جاب الحق عليه) ابتسم أبي في هدوء وأشار برأسه بدون كالم ،فأكمل يونان حديثه
30
(يعني بتحرجني باألدب عشان الموضوع يخلص) ،صفعني أبي أمامهم ،الدم صعد إلى وجهي حتى شعرت أنه سيخرج من أذني التي أصبحت مثل قطعة الكبدة ،التفت ألراها تقف أمام حجرتها وهي إلي من أسفل إلى أعلى .سحبني أبي تضع يدها في وسطها وتنظر ّ فأفلت يدي من بين كفه وانطلقت جاريا .ال أعرف من يدي لنخرج ّ الي أين ؟ فقط لن أعود إلى البيت .
جمعت أصدقائي وأخرجنا ّ كل ما في جيوبنا من جنيهات ،ال تكفي لشراء زجاجتين من بيرة استال .سنكتفي بواحدة .تصدّرت أنا وذهبت إلى دكّانة عم يونان ،وضعت الجنيهات أمامه وطلبت منه زجاجة إلي لحظة ونظر للجنيهات الملقية أمامه ،م ّد يده إليها ستيال ،نظر ّ وأحصاها ث ّم طلب جنيهان آخران ،أخرجتهما له ،تناولهما وهو ينظر إلى عيني التي تتأمل ضيق عينه الثابتة ،أخرج ورقة بيضاء ول ّفها حول زجاجة االستيال ووضعها في كيس أسود وتركها أمامه في طرف الطاولة ،شببت حتّى وصلت للكيس ونزعت عن الزجاجة الورقة ونتشت الغطاء المعدني بأسناني وشربت أمامه .غالبت نفسي وأمسكت الزجاجة بيدي ومشيت إلى أصدقائي في نهاية الحارة وأنا أق ّلد مشي سكارى األفالم وأصرخ مقلدًا األصوات التي تخرج من شرفته ،وأشعر بعينه تخترق ظهري ،فأبالغ في مشيتي المصطنعة التفت وتأكّدت أ َّن عينه ال تتبعني. وأبصق ما شربته في الطريق ،بعدما ُّ
31
قطط سوسو الهائمة األول انتقلنا من بيتنا إلى بيت جدي المغلق وأنا في الصف ّ الثانوي ،وصلنا في الليل ،البيت انطفأت أنواره لق ّلة االستخدام ،ألقينا منقوالتنا فوق العفش القديم وسط األتربة المتراكمة عبر السنوات، استلقيت على سرير جدّتي المعدني المطلي باألبيض الذي كنت صغيرا عند زيارة جدتي .رائحة التراب أتقافز عليه بسوسته المعدنية ً تلتصق بسقف حلقي ،والخياالت تتحرك في الظالم ،هربت منها بدفس رأسي تحت الوسادة ،اختنقت ،أخرجها ألم ّد يدي أصفع الخطوط الدائرية الش ّفافة المتالحقة . تحسست طريقي وفتحته ،ظهر سوسو سمعت طرقات البابّ ، األعرج بكشافه المضئ :
أنا جاي أشبط لمبه تنورلكم لغاية ما آجي بكرة وال بعده أظبط الكهربا.
تدخل خلف سوسو مجموعة من القطط تتمسح به ،أشار لهم 33
عند عبوره الباب فجلسوا في انتظاره ،حملت أحدهم ودخلت به، نظر إليه سوسو فقفز من بين يدي وجلس خارج الباب.
َعبّرت أ ّمي عن إحراجها لعدم تقديم مشروب الضيافة ،وكنت أتساءل في نفسي عن كيفية معرفته بأنّنا بال إضاءة ،فسألته :هو مين قالك ان مفيش نور عندنا ؟.
أشار سوسو إلى ّ قط يتقافز بين القطط على الباب :القطة قالتلي. ابتسمت :دي زي العصفورة قالتلي كده ؟
تحدّ ث عن كالم القطط معه منذ صغره ،وأنّه كالقطط له سبعة ساخرا عن قدرته أرواح فقدَ منها روحين فقط في ُدنيانا .لما سألته ً على الكالم مع جميع القطط ،أجابني بتلقائية أن ليس ّ كل القطط قادرة على الحديث معه فقط القطط ذات األعين المشروطة، نظرت إلى عيون ّ قط منهم ووجدت حدقة عينه مشروطة من أعلى ألسفل وليست مستديرة ،استكمل عمله وهو يحكي عن عدم اعتياده األمر وهو صغير وأحيانا خوف الناس منه ،اقتربت وتمسحت في قدمي ،خشيت أن أحملها، قطّة سوداء صغيرة من ّي ّ لما رأى سوسو تر ّددي في حمل القطة ابتسم :دي عاوزة تبات معاك ّ . تدخلت والدتي في الحديث رافضة بقاء القطة وسألت عن انتهائه من تركيب اإلضاءة. زر اإلنارة ليضيء المصباح الوحيد أومأ برأسه وهو يطلب من ّي رفع ّ في بيتنا الجديد القديم .انصرف على موعد ليستكمل إضاءة المنزل،
34
أغلقت الباب بعدما تأكّدت من خلو المكان من قططه ،بانت الكنبة األسطنبولي بفرشها المشجر بوردات بنفسجية ومسنديها ووسادتها المستديرة ،تركت سرير جدتي واستلقيت أخفي وجهي من الظالل المتراقصة على الجدران .
رجعت من االمتحان ألجد أمي أزاحت األتربة ونظفت البيت، الشبابيك مشرعة ّ تنسل منها أش ّعة الغروب ،رائحة جدّتي تفوح في المكان تشبه رائحة خبز يستوي بالفرن ،تسقط أش ّعة الشمس عبر حديد شبّاك الصالة لترسم على األرضية مربعات ،الباب مفتوح وتجلس فأتحسس رأسها وأشرد ،عندما أمامه قطّة سوداء ،تتمطّى القطة أمامي ّ وأتوسد حجر كن ّا نأتي لزيارة جدّي كنت أرقد على الكنبة األسطمبولي ّ علي حتى أنام ،تغطّي وجهي بطرحتها الحريرية جدّتي وكانت تر ّبت ّ الشفافة السوداء ،تحكي لي عن الفتى يونس ما رضي للسفيرة عزيزة بنت سلطان تونس ألنّه في أسر أبوها ،عتب عليها جدي :لو هتضربيه بالسيرة حاكيه أبو زيد وسعيه ورا العالية . رفعني من على حجرها وناولني عكّازه ،أزحت ِع ِمامته عن رأسه،
علي جدتي ونهرتني ،لمعت عيناه كان شعره في سواد الليل ،عابت ّ وضحك سن ّه وأجلسني على مسند الكنبة ،حكى لي عند درويش قط أسود ّ التكية عندما كان يأتيه ٌّ كل ليلة فيطعمه ويسقيه أربعين ليلة، في الليلة األربعين يهديه نبوتًا ليس من الزان وليس من األبنوس، يصبح عليه النهار فيبقى الدرويش العجوز شاب عفيا. سألت والدتي :هو جدي شعره شاب .
35
تبتسم :ريحه في البيت حاسه بيه ،ال كان كل ما يكبر شعره يغمق سواده .
عندما أخبرتها أن سوسو سينتهي من عمله اليوم التالي ،ز ّمت شفتيها لليسار وسكتت.
لما سألتها أجابتني :مالقتش غير الملبوس ده يجي يصلح الكهربا.
أخبرها أنه فقط مريض بهالوسه ولو كان صاد ًقا في حكيه ما كان بقي على حاله. ـ ال أنت جايبه عشان تسمع حكايات عن القطط وعنيها المشروطة بالليل.
ً وقليل من السكر مألت طب ًقا باللبن البارد وغطست به خبز لدن وض ْعت الصحن أمام الباب من الداخل لكي واتجهت إلى البابَ ، ت عليها وهمست في أذنها :أنا مش عاوز تخطي القطة عتبة الباب ،ر ّب ّ نبوت الدرويش أنا عاوز عصاية التيسير بتاعة جدّي.
يظهر سوسو األعرج على بسطة الس ّلم دون أن يصدر لخطواته ّ في ،أفشل في إخفاء القط ويفزع ثم يهبط صوتًا ،يقفز ويتمسح ّ ّ دهشتي لظهوره المفاجئ ،يحمل القط على ساعده ويهبط دون أن يتل ّفظ بكلمة.
مرة القطط حوله تختفي ويظهر غيرها ،لم أجد قطّي األسود ّ أخبارا عن أخرى ،لعبت الكرة مع أبناء الحارة وحاولت أن ألتمس ً قطط سوسو ،تج ّمعنا بعد اللعب في حوش البيت حول سيجارة 36
كيلوباترا نتبادل التخميس فيها ،أفتى أحدهم بأ ّن القطط تؤكل ولها نفسا طعم األرانب ،سخرنا منه فاستند أحدهم وتناول السيجارة وأخذ ً بعمق ،أخرج دخانها وسرد لنا ما سمعه من جدّه أ ّن سوسو يس ّ خر أرواح القطط ً بدل من روحه ،فك ّلما صعقته الكهرباء ذهبت روح من أرواح القط واحتفظ هو بروحه الباقية ،قررت المشاركة بالتهجيص وأخبرتهم بأ ّن القطط ملبوسة بالعفاريت وهي في خدمته.
ً صراخا فهرولنا إلى الصوت ،كان سوسو فوق كرسي سمعنا خشبي يرتعد ويتصاعد الدخان من شعره ،دفعه أحدهم بعصا خشبية ليترك األسالك العارية من يده ،سقط على األرض ووجهه شديد الحمرة وعينه غائبة ،حاول ّ الكل أن يساعده ونقل للمستشفى بينما أنا أبحث بعيني عن قططه الغائبة ،عاد بوجه مقشور وشعر محترقّ ، قل كالمه وهدأت حركاته ،صعدت إلى البيت ألجد القطط تنتظرني على بابنا فابتسمت وجلست على السلم أالعبها ،لكنني لم أسمع حديثها.
37
البشارة أوقفتني امرأة عجوز في الشارع ،حدّقت في وجهي بشدة وابتسمت رح جاي . قائلة :ال َف ْ
اختفت قبل أن أم ّد يدي في جيبي ألنفحها الجنيه ،انعطفت في ت الخان أو مرقت من الوكالة ،سندت خزينة الكسر تحت إبطي وتل ّف ّ حولي ،شارع المعز مزدحم كعادته ،مررت من الباب األول للصاغة
الممر دخلت خان أبو طاقية وصعدت متهر ًبا من كلب يونان ،في نهاية ّ ّ
عمارة الخزائن لسبك كسر الذهب لدى الخواجة ،لن يفتح الششنجي
إال بعد ساعة ،فاطمة مشرفة الوردية أخبرتني بأن أنتظر أمام التسجه حتى يفتح ويحدّد عيار السبائك.
لم تصدّق أنّني لم أتجاوز عامي الرابع عشر بعد وأني ما زلت
بالصف الثاني الثانوي ،تتّهمني بالدلع لعملي في مصنعنا ورفضي ّ ت ،استطردت بأ ّن صورتي وأنا أضع العمل بالسوق ،ابتسمت وص َم ّ قدمي على الذهب والنقود حرام (ده َبطَر ع النعمة)
39
ِ دخلت مكتب أبي ؟ أنكرت ،سألت نفسي وكيف رأت سألتها :
الصورة؟
صوت أبي ير ّن في ذهني (لسانك حصانك ان صنته صانك وان
الصف الثاني االبتدائي عندما جذبني هنته هانك) .كنت في إجازة ّ
من أذني وأخبرني بكلماته تلك بعد أن أخبرت أ ّمي أنّه كان يعطي فاطمة حقنة في حمام المصنع ،أنكر أبي وا ّدعى أنّها كانت هي من
تعطيه األدوية ،فقمت بوصف المشهد كما رأيته ،وبعد رجوعنا من بيت جدّي لم تعد تعمل لدينا ال فاطمة وال غيرها.
سألت فاطمة :انتى بتسألي علي سني وانتى عارفاه ؟ وتتفحصني ببطء من أسفل ألعلى :أصلك كبرت وبقيت تبتسم ّ
راجل.
تأكدت من وزن الشغل وانصرفت دون سالم. رأيت المرأة العجوز التي اختفت من أمامي من قبل توقف َسيدة ِ وتهمس لها وتنصرف ُم ِ سرعة ،السيدة وقفت مكانها مذهولة، َغريبة
توجهت إليها أسألها ع ّما قالته لها العجوز ،تيقظت وانصرفت. ّ لم ال تنتظر الحسنة ؟
خرجت من الخان إلى حارة اليهود ،أصوات سارينة المطافي
تدفع الناس للركض على جانبي الطريق ،تتبّعت الصوت من شارعنا،
ضغطت بساعدي على الشغل وحاولت أن أرفع قدمي الثقيلة بال فائدة، 40
جذبني جيراننا حتى ال أدخل الشارع ،خفتت أصواتهم المتداخلة(حد يرشه بميه ...هيفوق ...االنبوبة انفجرت ...ال ماس كهربائي ... ابوه واخوه جوه ...الصنيعية لسه مجوش ...االسعا).
41
صبغة شعر بيضاء دخلت الصيدلية ،سألت عن صبغة شعر بيضاء ،اعتذر مبتسما
وأخبرني باأللوان المتاحة.
أمرر بعض الخيوط البيضاء في رأسي .هناك ثالث شعرات أريد أن ّ
بيضاء في طرف ذقني تختفي عند إطالق لحيتي .يحكي لي الخال عن ج ٍّد لنا كان ك ّلما زاد عمره اسو ّد شعره أكثر ،الشعرة بعدما تشيب
مرة أخرى بل تصبح أكثر سوا ًدا مما سبق ،هام في دروب ّ وتبيض تسود ّ ّ فيتزوج منها ويترك بذرته يحط في إحدى البطون قبائلنا ببضائعه، ّ وجرها له وأنزل من عليها بضائعه، ويرحل ،صحبه فتًى رعى ب ْغلته ّ
ويجلس الفتى على باب خيمته حتّى يترك الج ّد بذرته ،مات الج ّد من أعوام وبقي الفتى يحكي حكايته. على الرغم من مرور السنين ّإل أنه فتى أمرد نحيل ،تنسدل من
تحت قبّعته خصالته المقصوصة .يلجأ األحفاد للفتى ليثبتوا مرور
الجد بقريتهم .يأخذهم من أيديهم ويتجه لطرمبة المياه خلف خيمته 43
ويصب عليهم ليغتسلوا .ينظر في وجوههم فيصرف من يصرف ّ ويبشّ ر من يرى أنّه من أبناء عمومتنا .وفي لحظة رضا وهو منتش بلحم غزال يسيل مرقه على ذقنه ،سألته كيف يعرفهم؟ ،طلب من ّي أن أغسل وجهي في مياه الطرمبه وأعود .أجلسني بجواره ،أمرني أن أنظر لوعاء الماء بجوار النار وسألني ع ّما أرى ،وجدت وجهي يترقق على صفحة الماء .قال :إ ّن جبال الكحل تفنيها المراود ،والد سيدي كيف جدهم كحل عنيهم رباني مبيتغسلش بالمي. نظرت لوجهي في المياه وجلست بجواره وانتظرت المزيد. وسألته عن عمره فضحك ولم يجب ،بعد فترة قال :عارف كمان والد سيدي مبيشبوش ،شعرهم إسود غميق وكل ما بيهرموا بيسو ّد اكتر. مر على تلك الجلسة عشرون عاما ،ومللت الرحيل لدروب عوائلنا ّ ألعرف مرسى فتى جدي ،فال هو يستقر وال يعثر عليه الطامعون في اسم قبيلتنا ،هم أنواع يغلب عليهم الراغبون في مزج دماء أصالبهم ف يحمل أسرارنا المحمولة من المعابد القديمة. بدمائنا ليخرج خ َل ٌ ال يعرفون أنّها ال تل ّقن وإنما تسري بيننا دون علمنا أو رغبة من ّا.
في عامي الخامس واألربعين ،ال تزال رموز قبيلتنا محفورة على ضي الشمس وال شعر سحنتي ،فال الدموع تخفي ظالل الرموش في ّ الرأس شاب .وأح ّن لزيارة دروبنا ،ولو رأوني على هذه الحال لعرفوا أ ّن دمائي خالصة ،وسيفتضح أمري بين عجائز القبائل .ال ضير من شيبة مصطنعة ،فمقتل سيّد سيّدي كان بيد الخائفين من ظاللنا الطائفة ٍ ألحد على قتالها أو التمن ّع عليها في الليالي في الضحى ،فال قِبَ َل 44
القمرية الكاملة .كتب على من يحمل من ّا ريح جدّي مصيره ،فإما الغربة الدائمة والرحيل بال سكون ،وإ ّما انتظار الموت في مكان واحد؟؟.
صبغة شعر بيضاء قد ّ تحل المشكلة ،إذا صحوت في الفجر حرة وأنا نائم حتّى الضحىّ ، وأل أنام في ولم أترك أطياف ظاللي ّ الليالي القمرية التامة ،لن يتشكّك بي أحد.
بسري ولم تفضحني في تلك المرأة العجوز التي همست لي ّ مقابل مضاجعتها ،خطوط ذقنها الزرقاء المدقوقة ترسم عالمة حسن، وكحلة عينها الكثيفة تخيف سحرة الضوء ،وأسنان فرجها نعمتها كثرة فلت منها ،وإن اصطادتني فللظالم حيله ،فقط لو الولوج فيها ،قد أُ ُ أعثر على صبغة شعر بيضاء.
45
ما تخشى منه يخشى منك هم القابعون في زوايا الجدران ،متكورين على أنفسهم ،يض ّمون
أرجلهم إلى صدورهم باحتضانها بسواعدهم ،يدفنون وجوههم بين
وتخف األقدام المارين ،وما أن تسكن الحركة أرجلهم خوفا من ّ ّ ّ يتنفسوا الصعداء ،ويعطوا ألنفسهم ويسكن الضوء ويحل الظالم حتّى ّ
مجاال للحركة ،مطمئنين لعدم اصطدام أحدنا بهم.
عامرو المكان أراهم والرعب محفور في أخاديد وجوههم ُ أتعجب من ّ كل حكايات الخوف منهم ،ما أن تأتي سيرتهم الصغيرةّ .
حتى تبدأ االستعاذات والبسملة وقراءة اآليات .في البدء كنت أتصن ّع
تجاهلهم وال ألتفت إليهم ،أسمعهم وهم يتح ّدثون بخوفهم من ّا، ويتفادون أقدامنا أو تعثّرنا بهم ،يزعجهم صراخنا فيس ّدون آذانهم عن أصواتنا.
كنت أنظر إلى سقف الغرفة عندما يتحدّثون عن ّي ،أو أتصن ّع النوم
إلى أن سمعته يسخر من عجيزتي أمام أخته ،لما رآها شاخصة إليها 47
وأنا أخلع مالبسي ،لم أتمالك نفسي ورددت عليه ،رأيت اتّساع عينيه وانتصاب أذنيه وتغيّر لونه من الرمادي الطيني إلى الوردي فر من أمامي .لم يكن يعلم أ ّن أخته تصعد المطفي وانكتام صوتهّ ، لسريري في المساء ،تغافلهم وتركب خصري ،ال أعرف لماذا استفزتني سخر ّيته أمامها ،هي بقيت ساكنة ومبتسمة وأردفت بأنّها ّ كانت تعلم.
يمسني بسوء أح ٌد في حضوري تلك المجنونة التي ال تطيق أن ّ كل من يضايقني ،تغار من ّ أو غيابي ،تنطلق فتؤذي ّ كل فتاة أحادثها فتبصق في وجهها ّ لتظل عابسة عدّة أيام.
هرب أخوها عندما عرف أنّي أراهم وأسمعهم ،وهرب اآلخرون وراءه ،وبقيت هي ،يزورونها ّ كل فترة وينصحونها بالهرب ،حاولت أن تعيدهم ،رفضوا أن يدخلوا في خدمتي معها وأن يظ ّلوا عبيدي هم في ،وأنّني لم أسع وساللتهم لخلفي من بعدي .أنكرت عليهم ظن ّهم ّ يصرون. لذلك ،ولم أطلب منهم ّ أي شيء ،لكن ّهم ّ أبناء جنسهم في األماكن األخرى تغاضيت عنهم ،لوال صحبتها الدائمة لي ومحاولتها الدائمة إلثارة غيرتي لما اهتممت بهم ،أهل األماكن المعمورة طيبون .عكس الجوالين في الطرقات ،تخبّط الناس الدائم بهم جعلهم يستأسدون ويكشّ رون عن أنيابهم ،وكثرة الندبات في أجسادهم أفقدهم اإلحساس باأللم .اعتادوا الضوضاء فثقل سمعهم ،منهم مشاكسون يؤذون للمتعة ،لكن ّهم يتقبّلون الغرباء بعكس عامري األماكن .تعاركت مع أحدهم ،أراد السكن في جسد 48
ِ جسدها ،قتل أربعة من أرواحها وترك قطة مسكينة وكانت تنازعه في لحقت به عند الروح الرابعة واشتيكته لمارد لها ثال ًثا ليضمن عيشها، ُ في خدمة سيده ،فحكم بالسماح له بسكنى القطة ،ألنّه بقي له روح واحدة ،وأخبرني أنّني لو لحقت به في الروح األولى أو الثانية لكان قد حكم عليه بتركها ومضيت.
أخبرتني بأنّه لن يتركني ألنّي اشتكيته ،وسيحمل في صدره صورة ّ التدخل فيما ال يعنيني .ونصحتني علي عدم روحي ليؤذيها ،وأنّه ّ ً مسال فرفضت ،غضبت من ّي بالتقرب من سيده بأن أقدم له د ًما ّ واختفت.
و ّ ظل مكاني مهجورا بال عامريه ،سمعت في ليلة عواء قطط على بسطة المكان ،فظننت أنّه موسم التكاثر ونداء الطبيعة ولكن ّي سمعت تتسرب بين المواء ،فحزمت أمري بمقاتلتهم، أصوات مردة الشوارع ّ يفروا .استعنت بقوة الكلمة .ر ّددت إ ّما أن يسكنوا جسدي وإ ّما أن ّ عال ٍ بصوت ٍ وأذكارا أعلم رعبهم منها ،لكن ّهم تركوا أجساد آيات ً علي مستهزئين بي ،مر ِّددِين أ ّن أوالد الطرقات القطط وهجموا ّ ال يخشون الكلمات ،استعذت ور ّددت التحصينات وشعرت بهم يجرحون روحي ليسكنوا جسدي ،قاومت ونظرت إلى قلبي أذني عنهم ،وسأعمره وأخبرته ّأل يخذلني ،ووعدته أنّني سأص ّم ّ وتلويت بكلمات صالحة ،وهتفت باسم الله وصرخت بصفاتهّ ، وقفزت ودرت حول نفسي حتّى يتطايروا من جسدي ،أرتفع، أدور وأرتفع ،أصرخ بأسماء الله ،يتطايرون وأرتفع ،يتساقطون، 49
أدور وأدور وأرتفع حتّى آخرهم ،أسقط ساج ًدا لله وطالبًا منه أن يسحب نعمته ألنّي لم أصنها ولم أتح ّملها .آمنت بأ ّن الجهل صيانة للجهالء ،والعلم نور لألتقياء.
50
حال األنس تجولت في الشارع دون وجهة ،سمعت صوته في أذني »:الشيخ ّ تكرر األمر، يطلبك في مسجد السلطان « ،ألتفت حولي ،ال أحدّ ، أستجيب ،الطيف يخبرك.
توجهت للميضه غسلت وجهي كنت راقدا في صحن الجامعّ ، ودخلت المرحاض ،الب ّد أنّه يخبرني بشيء وأنا ال أفهمه ،أفرغت مثانتي ،نزلت من ّي نقاط ،تخ ّلصت من ضغط االحتقان ،وذكّرت نفسي بضرورة زيارة صديقتي ،لم ألمس أنثى من ع ّدة أسابيع ،خرجت من المرحاض ،نظرت في وجوه المنتظرين ،خرجت من المسجد، لم أعد إلى غرفتي ،صاحب المنزل لم يغلق دكّانه ،لو مررت من تحصلت على قيمة شهرين لدفعتها تأمين ًا أمامه سيطالبني باإليجار ،لو ّ لغرفة أخرى ،اتّصلت بصديق ،قابلته في مقهى البورصة ،اقترضت منه ،ابتسمت عندما فاوضني في المبلغ ،يعلم أنّني في ّ كل األحوال لن أر ّده ،وعدني بمحادثة شخ ٍ ص َّما ألعمل معه ،انصرف وحاسب، صبي المقهى جز ًءا من الحساب . استردت من ّ 51
في المسجد جلست مستندًا إلى عمود ،أرحت رأسي للخلف وأغمضت عيني ،غبت للحظات ،شعرت ٍ بيد تر ّبت على ركبتي، ّ اعتدلت ونظرت إليه ،رجل عجوز حفرت التجاعيد عمره في وجهه، موشوم على جانبي جبهته عصفور وثالث نقاط ،شاربه األبيض مبروم ألعلى ،أخاديد عينه توضحها وتظهر الغمامة التي تعوم فيها، تجاعيد يده ظهر في ثناياها بقايا وشم ألبو السباع ،بها خاتمان فضيان فص ياقوتي أحمر واآلخر زجاجي أسود ،نظرت في عينه ألحدهما ّ المعتمة .هل يراني؟ ،فجأة خاطبني ً قائل :أنت شيخي ،هززت رأسي نافيًا ،طرق برأسه قليال ،رأيت بياض شعر رأسه من العمامة البيضاء، م ّد يده في سيالة الجلباب وأخرجها فارغة ،مدّها من فتحة الصدر، رأيت من خاللها صديري ستان المع مخطّط فضة ورصاصي ،أخرج سبحة فيروزية طويلة ل ّفها على معصمه األيمن ،نظر في عيني «هل يراني بتلك العين المعتمة؟» ،نفيت تذكّري له ،ضاقت خدود وجهه أحج!! . واتسعت ،أخبرني برؤيته لي في الحج ،لكن ّي لم ّ ّ
طرق برأسه وتمتم ،اعتذرت له ونهضت ،لمس طرف بنطالي التفت فلت منه وخرجت مسرعا، ّ وهمس بكلمات غير مفهومةّ ، خلفي ألتأكد أنّه لم يتبعني .عبرت من عدّة حواري ضيّقة ،جلست على دكّة فارغة في مقهى شعبي قديم ،ظهر العجوز من العدم ،جلس جواري ساقاه مربعتان ومستند بكوعه على ظهر الدكة ً قائل :اطلب لي شاي .نظرت عبر الحارة إلى المرآة في دكان الزجاج المقابل ورأيت نفسى ولم أره ،سرت في جسدي قشعريرة .وقفت مفزوعا وغادرت 52
مسرعا ،اصطدمت في طابور الخبز ،دفعني شاب من نفس عمري قفصا من مستنكرا تعثّري به ،خرج العجوز من أول الطابور حامال ً ً علي وأعطاني رغي ًفا بلد ًيا ساخن ًا، الجريد مفروشا عليه الخبز ،طبطب ّ تناولته وأكلته .سألت الشاب :أتعرفه؟ ،رفع كتفيه إلى أعلى وتقدّم الشاب رأى العجوز ،أكملت مكانه في الطابور ،مشيت مطمئن ًا أل ّن ّ التهام الخبز ،تو ّقفت وعدت أبحث عنه ،لم يظهر في المسجد ،ركنت إلى نفس العمود ،أسندت رأسي بعين مغلقة وأخرى نصف مفتوحة، انتظرته ،سمعت صوته ً والتفت في قائل مدد يا رب ،فتحت عيني ّ جميع االتجاهات ولم أره ،انتفضت ،وغبت عن الوعي.
53
مزار الطيف ومن القنوع الرضا بمزار الطيف ،وتسليم الخيال ،وهذا إنّما يحدث عن ذكر ال يفارق ،وعهد ال يحول ،وفكر ال ينقضي ،فإذا نامت العيون ،وهدأت الحركات سرى الطيف . طوق الحمامة ـ البن حزم األندلسي
في البدء كانت تسحر الناظرين بجمالها ،تتهادى في مشيتها ليتمكّن الناظرون من التحديق ،تشدّ مالءتها وتحكم ل ّفها لتبرز حرية ردفيها.
سائل ُ مسحت ألحدهم ً ينزل من شفتيه لما رآها وسخرت منه، حسدته على جرأته في الحملقة حتى سالت ريالته ،بينما ألتزم أنا النظرة الخاطفة ،الرؤية العابرة التي ال يلحظها أحد ،أمسح على ّ وأهش بك ّفي أمام وجهي كأنّي ال أراها ،أبعد صورتها جلبابي المكوي من أمامي أثناء مرورها. 55
تختار بمزاجها الشخصي ،فتقف وتتحدث إلى أحدهم وتتركه يهر وتنصرف ،راسما في خياالته ما يشتهي من صور ال متناهية عنها ّ ومعها.
جاءتني متهادية تمشي وعلى وجهها ابتسامة حياء ،كنت أمام باب الدكان أهش بمنشتي البعوض ،سألتني عن سعر شيء ما، جاوبتها .قطعت الحديث فجأة ونظرت في عيني»:حلمت بك شق قلبي ،تم ّللت في وقفتها ،جاوبتها »:أنا البارحة» ،بريق عينيها ّ أيضا حلمت بك» ،ر ّبتت على صدري ضاحكة وانصرفت ،الحقتها إلي وشدّت أزر مالءتها على وسطها .لم تتحدّث بعيني ،التفتت ّ عن التفاصيل ،في الحلم استلقت على سرير معدني ،سبلت الستائر البيضاء على أعمدته النحاسية ،وفردت ذراعيها ،ورفعت ركبتيها لتفتح ساقيها في حرية ،خلعت جلبابي ،أزحت الستائر ،غرقت في جسدها ،شفاهي لم تترك موض ًعا ّإل وطأته ،قبلت جسدها الذي دوامات علت أنفاسه ،انغمست فيها والت ّفت ساقاها حول خصريّ ، الصعود والهبوط لم تنته. رأيتها تتد ّلل في مشيتها عبر الشارع ،عرفت ثناياها ،ردفها األيسر به وحمة ،أرى بخيالي ما تحت المالءة ،نزلت بنظري وهي تبتعد، الفضي ،اختفت وسط الزحام ،لم يفارق عرفت كيف تخلع خلخالها ّ الحلم خيالي.
جلست على المقعد الخشبي ،وأعطيت لجسدي براحه، سندت فخذي وطويت ساقي أسفله ،مال جسدي لألمام كي أخفي 56
انتصابي( ،ال َمرة دي وشها مكشوف) األخريات يخشون االقتراب تورد وجنتيها لم يكن من ّي عندما ألج فيهم حلما ،لكنها صارحتنيّ ، خجال بل من نضارة المعاشرة ،وعرقي انساب على جبهتي من إرهاق الليلة السابقة ،لم يتم ّلكها الفزع ،لم تستجب لجلسات النميمة ،وحكاية الجنية التي أنام معها وتغنيني عن النساء وغيرتها فتس ِّ خر عليها جنّيًّا يضاجعها في هيئتي، من كل امرأة تعجبنيَ ، ن ،ذلك َح ّذر البنات من المرور أمامي حتى ال يفقدن عذريته ّ اللغو الذي نقله إلى صحبة األفيون في جلستنا فوق السطح، ْت أفيونتي وأذبتها تحت لساني، تحججت بأنّه مجرد هراءُ .لك ُ تناولت النرجيلة وأجبت عن ّ تأخر زواجي ضاحكا (الجن ّية مش عاوزة تسيبني) فتوالت القفشات. عادت وظهرت ،رافعة ذراعها تشد مالءتها ،ترسم عينها خطوط الفرح ،سن ّها الضاحك يلمع لرؤية عيني التي ال تحيد عنها ،اقتربت مني ،قبالتي انفكّت مالءتها ،ظهر قميصها الزاهي ،لمتها ولفت ت حولي، طرفها على ذراعها ،وتساءلت عما حدث البارحة ،تل ّف ّ وهمست متسائال ع ّما حدث ،أنكرت همسي ورنّت ضحكتها، مجرد حلم ،ابتعدت عني قائلة(:طب ابقى تعالي شقر أخبرتها أنّه ّ ألحسن الوحدة صعبة) ،سألتها:أين؟ ،أخبرتني ورنين ضحكتها يسبق كالمها :في الحلم. سدل الليل أستاره ،أسرعت لمرقدي أضجع عليه ،وكالمها يجوب فكري ،نمت على صوتها يطالبني بزيارتها ،استيقظت ألجد 57
شيب فودي ازداد والغبار متراكم على األثاث .لحيتي طالت فشذبتها ومشطت شعري وانطلقت للسوق ،فتحت الدكان ،ولم أجب على مرت ببطنها المنتفخ ،وقفت أمامي هامسة سؤال جاري عن غيبتيّ ، كونها أرملة وفي أحشائها طفل من ّي.
58
العصافير ال تأكل الجيلي كوال كنا نسكن في فيال بحي مصر الجديدة ،وكنت أقضي وقتي في
الباك يارد بجوار الجراج ،أدفع أخي الصغير بعجلته الثالثية ،أو أموج
األرجوحة الكامنة أسفل شجرة الكافور العتيقة ،كانت العصافير تسكن الشجرة وتهب جيئ ًة وذها ًبا إلى خارج البيت ،اختفت العصافير
قبل أن نترك البيت ونعود لبيت جدّي في الجمالية ،ال أدرك سبب تبرره بأ ّن األوالد العاملين بمخزن الكوال اختفائها ،لكن سمعت أ ّمي ّ
الجديد بجوارنا كانوا يرمون العصافير بالنبال ،وأ ّن العمارة الناشئة في
مقابلنا حجبت ضوء الشمس ،لكن ّها لم تكن تجيب لماذا تركنا الغفير
ولماذا أصبحت الحديقة متشابكة األغصان ونجيلتها عالية وماتت جف ولم يعد يتس ّلق الجدار ،مع أغلب الورود فيها ،حتّى اللبالب ّ
الوقت كففت عنها أسئلتي التي كانت تجيب عنها بالصمت ،أو تبعد
وجهها عن ّي وهي تحبس دمعة تحاول الفرار من عينها، علي يدّعي أنّه يعرف السبب: أخي يتحاذق ّ
59
ربنا لما اختار بابا عشان يالعبه الطاولة والشطرنج ،نسي يقوله
يرجع لينا ويدينا المصروف ،فمشيوا إلنهم مش هيقدروا يشتروا
جيلي كوال.
فأخبرته :هي العصافير بتاكل جيلي كوال يا ناصح ؟
أجاب :أل ..العصافير شربت من الكوال المدلوقة على األرض
في المخزن اللي جنبينا ،فعشان كده مرجعتش عندنا تاني.
تركنا بيتنا وذهبنا لنعيش مع جدّي في الجمالية ،لم تكن هناك
حديقة ،لكن ّه كان يصعد معنا إلى السطح لنالعب الحمام في الغية،
وربط عجلة سيارة بحبل في البغدادلي في السطح بدال من األرجوحة.
تقول أمي :إحنا سيبنا البيت إلن الشارع بقى سوق وبتوع الخضار
بقوا واقفين قصدنا طول النهار.
وأحيانا تقول :العمارات بقت واقفة حولينا في كل حته وبقينا
مش قاعدين براحتنا.
هناك كنت أنا وأخي فقط ،هنا في الجمالية يوجد أوالد أعمامي وأوالد
أخوالي غير أوالد الجيران ،بالرغم من كل األقارب والجيرة أحسست
أني غريب مع أول تعليق :ايه اللي أنت البسه ده .ال أذكر من القائل. أجبت :سلوبيت.
نعم؟؟!! دي عفريته هو انت عامل في مصنع .أذكر جيدا أنني لم
أجب وكان الصمت صديقي . 60
(أسطى) بسبب علي اسم ُ أخبرت جدّي أ ّن أوالد الشارع يطلقون ّ السلوبيت وأنهم يطلقون على زيي (العفريتة) ضحك بش ّدة حتى دمعت عيناه ،ر َّبت على كتفي وسألني عن ر ّدي عليهم ـ مرديتش سألني إذا كان يضايقني ما يفعلونه معي ،أومأت برأسي،
قال :أدامك حل من اتنين ،يا تقولهم انك بتضايق منهم لما بيضايقوك يا اما متلعبش معاهم تاني
وقتها قررت ّأل أخبرهم بشيء وأن أستمر في اللعب معهم، تمر، وعندما أضيق بسخريتهم من ّي كنت أصمت قليال وأدع األمور ّ وعندما تزداد السخرية حدّة وجدت ضالتي في السخرية من أشكالهم: ـ منخيرك دي ...دي شكمان عربية.
ـ يا بت اللذينة ...ده ارئير شعرك مخبيا فيها صراصير من الشارع ـ انت قاعد طول الليل تخطط في البيجامة بتعاتك .
وكانت النتيجة هائلة ،تجمع أوالد الشارع بعدما تركتهم وقذفوا شباك غرفتي بالطوب.
61
الحلبية.. ارتدت أ ّمي جلبابها وألبستني بنطاال قصيرا وأغلقت أزرار قميصي، َر َفعت ال َمشّ ن َة الفارغة ،وضعتها عند فم الطرمبة َ وشدفت المياه عليها لتنظّفها ،جففتها بمنشفة برتقالية اللون يشوبها بعض السواد إثر اتساخ سابق ،فرشت عليها أوراقا بيضاء مصفرة ،ووضعتها بجوار بوابة الدار الخشبية ،ألقت على جسدها الملس األسود وسحبتني ورفعت المشنة على رأسها ،رفعت المزالج الحديدى من الباب وسحبته للداخل وخرجنا تاركة البوابة مواربة ،تجنبنا طين الشارع وصعدنا إلى نهايته، أشارت لكارو عليها بعض النسوة وجلسنا بجوارهن ،العربجي يلتفت للنساء كل فترة يختلس نظرة ويطالب باألجرة ،ت ََسحبت من جوار ّ يحث أ ّمي ألجلس بجواره ،أخذت منه العصاة وق ّلدت صوته وهو البغل على المشي (ليك ..ليك ...ليك ....شي) نغز البغل بطرف العصاة في ذيله ليسرع الخطى ،جذب العربجى لجام البغل شاخرا ِ (هسسس) على إثر مناداة أ ّمي :هنا يا أسطى. دخ َلت السوق قبل ازدحامه مت ِ قفزت خلفها أللحق بهاَ ، ّجهة ُ 63
لوكالة الس ّماك ،وزنت المشنة فارغة على ميزان مع ّلق له ذراع به سنجة متحركة تقف على مؤشرات لقياس الوزن يمأل لها العامل يسجل اسمها في ورقة طويلة صفراء ،ويكتب المشنة ويعيد الوزنّ ، الوزن قبالته .كَرت منه ميزانًا قبانيا حملته على ذراعها اليمنى ،وسندت بيدها اليسرى المشنة على رأسها وتع ّلقت أنا بالملس خشية أن تضيع مني وال أجدها كما حدث من قبل .تناثر البائعون على جوانب طريق السوق ،البعض يهتف ببضاعته وآخرون ينتظرون ،كررت ت من نطاق الهتافات وشدوت األغاني التي تناجي المشترين أف َل ّ أ ّمي على الفرشة ،وانطلقت خلف كرة شراب تركها لي أحد أصحاب التفت الحوانيت ،سمعت اسمي ينادي به أحدهم:كَويتشة..كويتشة، ّ تجاه الصوت ،أبي يقف بجوار الكارو ويثبت جوال العليقة فى خشم الحمار ،ركضت إليه عبر الشارع متفاد ًيا أقدام العابرين ،تع ّلقت به وأطلقني بيديه عاليا ألح ِّلق فوق رأسه وتل ّقفني في حضنه وقبّلني، حملني على الكارو ونغز الحمار لينطلق وناولني كيس غزل البنات وقرطاس حالوة ،أعطاني لجام الحمار وهو يوجهه بعصاه لنعبر كوبري عبر مياه النيل وننزل عند ِعشّ ة خوص على الضفة األخرى. جلسنا على مصطبة أمامها طاولة من الجريدَ ،سأ َلت الحلبية أبي عن طلبه وهي تميل عليه وتلمس عروق رقبته البادية ،تأملت َحلقها المخرطة والخطوط الزرقاء على ذقنها ،ولمحت مفرق نهديها النافرين من جلبابها الالمع الضيق ،طلب قرعة بوظة وجوزة نظيفة علي وسألتني عن طلبي ،فمددت يدي إليها فدفعتها للتدخين ،مالت ّ 64
بلطف وهي تضحك في غنج :لما أنت عيل وبتعمل كده ..أمال لما تكبر هتعمل إيه ،..قبض أبي على ذراعها البضة وغرس أصابعه في علي وقبّلتني على لحمها بلطف :متكسريش بخاطر الواد .مالت ّ طرف فمي ،فجذبها ناحيتها ،تمن ّعت عليه :أبوس الواد آه ...لكن أبوالواد بحسابه ،..وتنطلق ضحكتها مجلجلة ،يجرع أبي مشروبه وينفس دخان جوزته بهدوء وهو يتر ّقبها وهي تتهادى فى مشيتها خارج وداخل العشة طلب منها الجلوس .الخوص ٍ خال من الزبائن ال أحد به سوانا .سمعت ضجيجا بالخارج وصوت أمي وهي تصرخ باسمي مولولة بضياعي ،وسباب أبي وعائلته ،دخلت إلى العشة ومعها رجال ونساء من السوق وتلقفتني في حضنها وصفعتني وهي تسبني :مش قلت لك ما تروحش معاه يا ابن الكلب ،جذبني أبي من ذراعي ناحيته فصرخت من األلم ،نشب عراك بين أبي وأمي والمتحيزين لهما، علي وتقبّلني، حملتني الحلبية َ وو َق َفت بي خلف الن َصبة وهي تربت ّ مسحت دموعي عن وجهي ولهتني عنهما بمداعبتها. انتهى الشجار بأن وضعتني أمي على كتفها وخرجت ،أصابني عود من الخوص بجرح في وجهي ،لم تنتبه لصراخي ،أنزلتني من على كتفها ناصية الجسر ووضعتني على السور ألجدها تبكي في صمت ،بللت ريقها ومسحت جرحي واحتضنتي ث ّم أشارت إلى فلوكة في النهر :لو بطلت عياط هركّبك الفلوكة وأخليك تلعب في رافضا ،وطالبتها بكيس غزل بنات ،فضحك المية ،هززت رأسي ً سنها ولمعت عينها وحملتني وعدنا إلى الدار. 65
الهروب إلى النهر النهر يخضع لمن يركبه ،ال تنحني أمواجه للعمر وال شيبة الشعر، لذا خضع لي وأنا ولد سنوات تسع ،صرعته بذراعي عاريا قبل أن أضربه بالمجداف ،اآلن أتحايل عليه بموتور في الالنش ،فرعشة يدي ال يشعر بها وال ينعكس شيبي في عينيه التي شربت ماءها قدي ًما.
على الضفة األخرى من النهر كانت استراحة الرئيس ،يأتي إليها يستجم أو يستقبل بها ضيوفه ،وفي زمانها غفراء البلد يحاصرون الرزق ،يطاردون الباعة في األسواق ويفر أمامهم خيالة المتنزهات، يستقر لهم موضع ّإل وطاردهم الغفراء، الدراجات لم ّ حتّى مؤجري ّ ركبت النهر في الليل ووجهت الفلوكة لمرسى االستراحة وكمنت في الظالم ،حتى أضاءت الكهرباء ظالم االستراحة منتصف الليل ،ساويت الجلباب وهذبت الالثة على كتفي وطرقت رأس الطقية الجوخ لتعطي ً مموجا ،ودخلت االستراحة من المرسى ،فتحت الباب الزجاجي شكل ً المردود ووقفت وسط االستراحة ،دخل الرئيس ليتفاجأ بوجودي في وجهه ،وبنبرة ناهرة سألني :أنت دخلت هنا أزاي ؟
67
أجبته عبر المرسى ،في أثره كان ضيفان أحدهم بمالمح أوربية يتحدّث لآلخر األسمر الذي يشبه أبناء عمومتي بلغة ال أعرفها ،تك ّلم الرئيس إليهم بأ ّن أبناء البلد يجدون طريقهم للرئيس من ّ كل الجهات وبرا ور ّبما يتساقطون عليه من السماء وضحك ،وسألني عن نهرا ًّ ً حاجتي ،فشكوت إليه العمدة الذي يس ّلط الغفر على أبناء البلدة ويقطع عنهم أرزاقهم ،وعدني بالتصرف واعتذرت له عن ضيافته لي حتى يتفرغ لضيوفه ،وخرجت من المرسى كما جئت. مر الغفراء على الباعة والخيالة والناس وطالبوهم في الصباح ّ ّ الشط وأنا مبتسم أنجعص بالعودة إلى أماكن أرزاقهم ،جلست على علي أسرعوا في مر الغفراء ّ في جلستى وأتأمل دخان الجوزة ،ولما ّ خطاهم وكأنهم يخشونني ،وقبل سقوط الليل جاءني مرسال بورقة من الحكومة بأنّني أرسو في النهر بدون ترخيص ،واستدعاءات إلى المركز ألخذ أقوالي ،تركت المرسال وقفذت للفلوكة ودخلت لالستراحة ليمسكني الحرس المستجدين على مرساتها ،الرئيس رحل إلى العاصمة ،صرخت مطالبا بمقابلة الرئيس ،تركني رئيس الحرس أعود كما جئت بعدما وعدني بإبالغ الرئيس بزيارتي.
وتوجهت إلى مأمور المركز لم يقتنع بأ ّن المحضر كي ٌد من العمدة ّ ث ّم أشار أنه لو يعلم بكيديته فهو لديه أوراق يتعامل بها وأن حكاية بائعي المتنزهات ال عالقة لها بالنهر. إلي وابتسم ،لم أتح ّمل دخل علينا العمدة بعد االستئذان ونظر ّ ابتسامته المنتصرة ،صرخت فيه (أنا في حمى ربنا وحمى الريس)
68
وخرجت مندفعا من المركز ،ورأسى يدور بالفكر ،لن يأتي الرئيس قبل عدة أسابيع أو شهور ،لو ذهبت للعاصمة لن أتمكن من لقائه، ربما غادر البالد الجتماعات مع قادة دول أخرى ،العمدة لن يتركني سيفتعل المشكالت).
انتظرت ولكن لم يظهر الرئيس ويوم تلو يوم تزداد المحاضر حتى صودرت الفلوكة ،ويومها ألقيت بهم في النهر وأشعلت في الفلوكة النار ،وانطلقت ألصيب العمدة ولكنه فلت ،وهربت ،استقللت قطار الليل لمحطة رمسيس ومنها إلى اإلسكندرية وعربة لمطروح ثم دخلت سلكاوي إلى ليبيا ،أطلقت لحيتي وتلثّمت بشال العمامة ،لو رآنى أوالد بلدتي من فواعلية ليبيا لطارت الرسائل بمكمني للعمدة، علي ،هربت لجبال خمير في تونس ،أنزل يريدون خدمته بالفتنة ّ جندوبة أقضي حوائجي وأعود ،لجرد ،بو خزارة وغيرهم ،عشت بقرية بني مطير بعد عين دراهم بيجي ميلين ،وعملت معهم ،وكأ ّن مرة للس ّد وعاد ر ّبنا عالم بوجع الغربة في قلبي ،مهندس مصرى جاء ّ ليخبرني برسالة بالرجوع ،رفض إخباري عن المرسل لك ّن ثبات نظرة عينيه جعلني أتخيّل أ ّن الرئيس عرف بظلمي ،عاودت لقريتي على لدوار العمدة وعكفت على بابه (أنا مش قلتلك شط النهر، وتوجهت ّ ّ ...انا فى حمى ربنا وحمى الريس) وانصرفت .
69
يا جريد النخل العالي سقط الحاج زكريا من أعلى النخلة ،ما حط منطق ،مات في
لحظتها ،لم نصدق في البداية ولكن أكد وفاته طبيب الوحدة الصحية،
وقع عدّة مرات من فوق النخيل واقفا واحتضن النخلة مرة أخرى مرة واحدة ملقى على ظهره ،ساقه الهزيلة مثنية وصعد ،هذه المرة نزل ّ
تحت بدنه الرقيق ،يشبه الفراشة وهو يصعد النخل لتأبيره ،رفيع مثل يرقة تنتظر االنطالق ،يحتضن النخلة كامرأة يلقحها ،ذهب وتركنا في
حيرة من سيجمع البلح من علوه الريح والشمس تأكله.
استأذنت أبي في طلوع النخل ،صرخت أ ّمي رافضة ،ربطت الحبل
في المطالع حول وسطي وعلقت البلطة في منطاقي وصعدت وباطن قدمى يتخطّى بروز الجذع ،جمعت بلحنا ونخيل الجيرة والقرية، ورفضت أجري وطلبت التصدّق به لروح الحاج زكريا .
ولكن عند تلقيح النخل لم يكن هناك غيري في الناحية ،نفضت
الطلع على النخيل بسبعة جنيهات للواحدة ،وبعد عدّ ة شهور 71
حصدت ،وأصبح طلوع النخل مهنتي ،صورة الحاج زكريا وهو راقد تحت النخيل ال تفارقني ،أنتبه للثعابين الكامنة بين السعف، أول ال أختار بين بطحها بالفأس أو الهبوط من أمامها ،ال مجال للتر ّدد ّ خاطرة تأتي في رأسي أنفذها ،أرخي الحبل قليال حول النخلة وأقفز مرة أخرى عدّة إلى أسفل وأنا أضيق الحبل ألحضن النخلة بذراعي ّ قفزات وأكون على األرض واق ًفا ،ألتقط أنفاسي وأستع ّد لمواجهة شيحا ملفو ًفا في شا ٍ ش ٍّ مبتل وأتركه يو ًما وآخر ،أو الثعبان ،أع ّلق ً أصعد ألذبحه بفأسي. في الناحية القبلية من بلدتنا ارتفعت المباني حول الغيطان ،كنت ّ المبتل أمام مرآتها ،في أق ّلم الجريد عندما رأيتها تمشط شعرها ّ المبتل ما لفت نظري ،غمغمت ونزلت الحقيقة لم يكن شعرها احمرت ببطء ،افترشت األرض وأشعلت القلح في األصعة حتى ّ نارها ،تناولت الجوزة وأنا أنفث صورة بياض جسدها في قميصها األسود الشفاف مع الدخان ،وابتسمت ألنّني لم أسقط عند رؤيتها، أحكمت الحبل وصعدت ،كانت شرفتها منفرجة في الدور الثالث أمامي مباشرة ،رقدت تحتضن وسادة بذراعيها وساقيها ،والسرير متّسع والغطاء منحسر ،وقعت وال يقع إال الشاطر ،التوت قدمي ولم تنكسر ،وسهراية وراء حكاية عرفت أنها مستأجرة وليست من ناحيتنا ،تسعى في األسواق بخضار الفالحين يا نخلتين في العاللي.. يا بلحهم دوا .يا نخلتين على نخلتين طرحوا في ليالي الهوا»، سألتها في السوق عن بلح وأنا أتغن ّى ،أجابتني :البلح عالى فوق
72
يتفحصني ،لملمت الجلباب وثنيت النخل وابتسمت ،كان بريق عينها ّ كمي ومددت يدي لمشنتها :أنا ركيب نخل .اتّسعت عينها والتفتت حولها لترى من حولها ،وزغرت لي ناهرة بدون كالم ورفعت طرف منشتها وأسقطته ألمشي من أمامها :طلبك مش عندى . انصرفت من أمامها وأنا أشدو بموال (قالولي بله يا بلح يا ريتنى كنت بليته).
وعند تس ّلق النخل بدأت أمام شرفتها ،لم تكن تمشط شعرها وسريرها فارغ ومرآتها تنعكس منها أشعة الشمس ،طال وقوفي على النخلة ،هبطت وأخرتها لمعاودة أخرى في نهاية النهار ،وما أن لمحتني حتى صفعت الشيش في وجهي ،كانت بجلباب السوق والطرحة على رأسها ،أنهلت بالبلطة على سباطة فارغة وسمعت عز النهار ورأيت في السماء فتح الشيش ورأيتها كقمر اتّقد نوره في ّ نجو ًما تلمع بجوار الشمس والنخلة تعلو وترتفع وسمعت صوت ارتطام مكتوم وأظلمت الدنيا .
73
الجنيهان في انتظار األتوبيس .جيبي به جنيهان أصل بهما إلى المنزل. مواصلة واحدة حتى ال اضطر للمشي مسافة طويلة .اتجهت للكولدير وتناولت كوب ماء بارد والتفت عائدا للمحطة .شيخ ملتحٍ في نهاية الخمسينات من عمره يرتدي جلبابا قصيرا بنصف ك ّم ،أخرج هاتفه المحمول من سيالة الجلباب ونقله للجانب اآلخر ،سقطت ورقة بيضاء كانت ملتصقة بالهاتف ،تطايرت تجاهي واستقرت أسفل قدمي .استمر الشيخ في المشي دون انتباه .تجاهلت الورقة وقلت ربما ال يحتاجها ،قد يكون عليها رقم هاتف ،أو كلمات لتذكيره بشيء .خطوت خطوتين وعدت للورقة .وجدتها تلونت بلون أخضر، تعجبت (كانت بيضاء) ملت عليها وتناولتها ،كانت مئة دوالر أمريكي. كرمشتها في كفي ونظرت حولي (مئة دوالر تساوي ثمانمئة جنيه مصري .مرتب شهر تقريبا) نظرت في اتجاه الشيخ ،ولمحت ظهره وربت على كتفه بيدي األخرى . وهو يمد في خطاه .انطلقت خلفه ّ إلي بنظرة متسائلة. التفت ّ 75
سألته :
ـ مش ضايع منك حاجة؟
ـ مش عارف .يمكن فلوس بس أنا مش عارف.
م ّد يده داخل سيالته وأخرج رزمة من النقود فئة المئتي جنيه. مرة أخرى ،وأخرج مجموعة من النقود غير المتراصة ثم م ّد يده ّ والمتداخلة في بعضها ،أخرج هاتفه من الجيب اآلخر ومعه مجموعة أخرى من النقود. ـ أنا معايا فلوس كتير ومش عارف إيه اللي وقع مني.
تحسست الورقة الخضراء في ك ّفي القابضة عليها خلف ظهري، وتر ّددت لحظة وابتسمت ،ثم أبرزتها من ك ّفي وأنا أمدّها إليه (دي وقعت منك) ـ آه الميت دوالر ،آه بتاعتي.
أخذها وشكرني والتفت عني وانصرف .عدت إلى المحطة الكف عن الشرود أنتظر األتوبيس .مر الوقت ثقيال وأنا أحاول ّ حتى ال يأتي األتوبيس وال ألحظه .بعد نحو ثلث ساعة ،ركبت وأنا مندهش من فراغ األتوبيس ّإل من ركّاب قليلين .اخترت نافذة وجلست بجوارها ،أسندت ذراعي على حافتها ،سارت الحافلة ببطء في اإلشارت المنغلقة التي ال يبدو أنها ستفتح ،تشاغلت عن ّ المحلت ،نظرت للسماء عندما الطريق بتأ ّمل الشجر العابر ويفط حجبت غيمة الشمس لبرهة .نزلت عيني على حائط حجري لمبنى 76
أثري قديم .وسمعت صوت الشيخ (أنا معايا فلوس كتير ومش عارف إيه اللي وقع مني).
غاب باله عنها ولم يالحظ غيابها .لم يكن سيالحظ غيابها ً أصل، إلي وأنا رددت منحة الله ليّ . كل هو ال يحتاجها ،ر ّبما كانت مرسلة ّ
أنا رأيتها تسقط منه ،وأعرف أنّها له ،لكن ّه لم يكن يحتاج إلى هذه تسرعت وركضت خلفه ألعيدها إليه ؟ . الورقة .لماذا ّ كانت ستكفيني شهرا أو أكثر.
عبرت من أمامي أشجار عالية أمام الجدار الحجري .ثم ظهر على الحائط نقوش وكلمات بارزة عالية متشابكة .حاولت قراءتها بصعوبة، ّ عربي قديم ال أعرف نوعه ،كأنّه لوحة فنية فوق بوابة ال أراها: فالخط ّ خافُ َب ْ « َف َم ْن ُي ْؤ ِم ْن ب ِ َر ِّب ِه َف َل َي َ خ ًسا َو َل َر َه ًقا».
وتساءلت لماذا أعدت إليه النقود ،حتّى بعدما علمت أنه ليس بحاجة إليها؟ ،ظن ّي أنني أحتاجها أكثر منه ،كنت على األقل سوف أكفي نفسي إحراج طلب سلفة من جيراني أو أصدقائي .ما زال الشهر في بدايته ولن أقبض اآلن .ابتسمت وأنا أقنع نفسي أن اآلية التي استطعت ّ علي بأنّني فعلت ذلك بوازع ديني، فك رموزها تشير ّ ال ،طب ًعا ،ال وازع ديني وال حاجة ،أمال بألوم نفسي ليه دلوقتي إنّي ما أخدتهاش وإنّي هروح أدور على حد أالستلف منه؟! أحاول إسكات األصوات المتصارعة في رأسي بال فائدة .ماذا لو انتهى العالم اآلن وارتحت من هذا الصداع؟. 77
مرت الحافلة بمحطة مزدحمة ،وامتأل األتوبيس بالناس ،ابتسمت ّ ألنّي بجوار الشباك أخرج وجهي منه أحيانا ،قمت قبل محطّتي حتّى أمر بين األجساد المتراصة والمتالصقة، أقترب من الباب ،أزاحم حتّى ّ ألمر دون اعتذار .أشعر بأصابع أعتذر أحيانا ،وأدفع الكيعان المد ّببة ّ أتعرف أحدهم تعبث في جيبي الخاليّ ، أدب ك ّفي عليها وأمسكها حتى ّ وحرك لسانه على صاحبهاٌّ ، إلي بتح ٍّد ّ شاب يصغرني بعدّة أعوام نظر ّ داخل فمه المغلق ،ث ّم أبرز من بين شفتيه شفرة حادة ،رفعت ك ّفي عن إلي بقرف واستهجان أصابعه وتركته يسحبها من جيبي الخالي .نظر ّ كأنّه يخبرني (يلعنك يا أخي أمال لو معاك فلوس كنت عملت إيه) أمر وأنزل من الحافلة في سالم . وتركني ّ
78
قسوة قلب إلي من يستدعيني عندما وهي في غرفة العناية المركّزة أرسلت ّ علمت أنّني بالباب .لم أطلب رؤيتها ،ال يعنيني سوى أنّني مسؤول يخصها بحكم الواجب ،دخلت في صمت وكعادتي ال عن متابعة ما ّ علي ألقي التحية عند الدخول ،أر ّد الترحيب بترحيب .ألقت سالمها ّ فأومأت برأسي صامتا .طلبت من ّي أن أقترب ،جررت قدمي الثقيلة وأنا أراقب األنابيب الموصولة بعروقها وكمامة األكسجين المنزلقة إلي لتصافحني ،تر ّددت ثم من وجهها .وقفت بجوارها ،مدّت يدها ّ إلي صافحتها ،تشبّثت بيدي فخشيت أن أسحبها فتتضرر .نظرت ّ ّ وهي تحبس دمعة في عينها وأردفت :مسامحاك. ً محاول أن أخفي غضبي الشديد. سكت ونظرت إلى األرض ّ
ر ّددت مرة أخرى وهي تهز كفي بوهن شديد :مسامحاك
سحبت ك ّفي برفق من يدها ،وو ّليت وجهي نحو الباب وخرجت ً مهرول ،جذبني من ساعدي بعنف: دون أن أر ّد .خرج خلفي أبي مردتش عليها ليه. 79
علي. نظرت في عينيه بهدوء ولم أر ّد .هزني بشدّة :ر ّد ّ
فرت على الرغم من ّي ،رسمت ابتسامة مسحت الدمعة التي ّ مصطنعة :دي مستكبرة تطلب من ّي السماح وهيه حتواجه رب كريم. يترك ذراعي ويخطو للخلف :ال ،طلبته .
أنظر إليه متفحصا :هيه كده طلبته؟
ـ يا بني ده ربنا بيسامح ،إحنا عبيده مش حنسامح؟
ـ تبقي تطلب منه هو السماح
حدّثت نفسي وأنا أهرب من أمامه :النفوس المنكسرة ال تقوى على السماح ،العفو يطلب من األقوياء ،أحتاج لجبر الخاطر.
استندت على ذراع صديقي للوصول للسيارة ،فردت المقعد هزني برفق ليسألني العودة للمنزل ألرتاح من ورقدت مدّعيًا النومّ ، وتعجب من تبريري :ساعات تعجب من رفضي ّ الزيارة ،رفضتّ ، والسر اإللهى هيطلع . ارتعب من كالمي :فال الله وال فالك يا شيخ .
نظرت إليه بطرف عيني :مش فارقة .
أدار الكاسيت فخرج صوت الشيخ أحمد العجمي بتنغيمته ف أَيها الصدِّ ُ ِ ِ ٍ ِ ٍ ن َسبْ ٌع يق أَ ْفتن َا في َسبْ ِع َب َق َرات س َمان َيأْ ُك ُل ُه َّ ِّ وس ُ ُّ َ « ُي ُ ت ُخ ْض ٍر وأُ َخر يابِس ٍ اف وسب ِع سنْب َل ٍ ِ ات َل َع ِّلي أَ ْر ِج ُع إ ِ َلى الن َّا ِ س ج ٌ َ َ ْ ُ ُ ع َ َ َ َ َ َل َع َّل ُه ْم َي ْع َل ُمو َن». 80
عندما خرج إلينا أبي مسرعا ،جذبت الكيس البالستيكي من المقعد الخلفي ونزلت إليه ،وقبل أن ينطق بحرف أعطيته الكيس، فتحه فوجد الكفن والمسك والعطور. سألني :مش هنروحها البيت تطلع من هناك؟ .
هززت رأسي نافيا ،فعاد للداخل دون أن يدعوني للدخول معه.
اتجهت لحائط المستشفى وأسندت ذراعي ورأسي وبكيت ... بكيت كما لم أبك في حياتي .
في صالة الجنازة جرجرني الناس ألقف في الصفوف ،في التكبيرة الثالثة أمسكت لساني ،جمعت أكبر قدر من اللعاب حتّى يتحرك ،لكن ّي كنت أسمع صوتًا داخلي يتنازع األدعية (اللهم اغفر ال ّ لها وارحمها) ولساني ال يتحرك .من أين يأتي الصوت؟ ،أنا ال أغفر لها فلماذا يغفر لها من يسكنني؟؟ أشعر بنقاط مياه على صدري تنزلق من ذقني ،أمسح دموعي وأسلم وأخرج مسر ًعا ،أسابق المشيّعين حتى أحمل نعشها ،أدفع كل من يخ ّفف عن ّي النعش هاتفا :أجرني.
أنزل القبر وألحد لها كما طلبت ،وأوسدها بحجر لبن ليّن ،أهمس لها وأنا أقبّل رأسها :وأنا كمان مسامحك.
81
معدل ضربات لدي اعتقاد أنها كانت تنظر إلى شاشة هاتفها المحمول ،لكن ّ
تتنصت على حديثي مع الكابتن ،قررت أن أستفزها .فكرت في
استفزازها بينما أتصنع االستماع إلى الكابتن ،سألته بصوت مسموع
وأنا أتصن ّع الهمس ،ملتفتًا حيث تجلس عابثة في هاتفها (أنا هحتاج استغنا قريب عشان حامضي عقد مع النادي األهلي) .رفعت عينها عن
شاشة الهاتف ،سرقت نظرة إلينا في سرعة وعادت تتصن ّع االنشغال
بالهاتف .كنت أنتظر تلك النظرة .
اسو َّد وجهها كانت عيناها استطالت كقط في ليلة يغيب عنها القمرَ ،
ونفرت عروقه كأنها تكبح جماح نفسها حتى الموت .لحظة واحدة
ودفنت وجهها في شاشة الهاتف.
ابتسمت وأنا أتحدث إلى الكابتن عن االحتماالت المتاحة أمامي،
وأنا أتراوح بين تأنيب لنفسي على استفزازها وبين تبرير لذلك ،حتى
أستطيع أن أكشف ما وراء االبتسامة المخادعة .أتحدث عن روعة
83
لبس النادي وروح جماهيره وأنا أفكّر فى سبب حقدها وغيرتها ونفسنتها .فال نحن في فريق جماعي نتصارع على مركز الهداف أو صانع األلعاب ،وال حتى بنفس الفريق .أنا بفريق الشباب وهي بفريق الفتيات. .
كل ما يجمعنا وحدة اللعبة والنادي والكابتن المدرب .أنا أحب إغاظتها ،ال أنكر ،لكن ّي أشفق عليها من النيران التي تأكلها من الداخل.
من أين بدأت الحكاية ؟ منذ أن انضممت إلى فريق كرة السرعة لذوى االحتياجات الخاصة ؟ كال ...قبل ذلك ،منذ أن رأيتها في بطولة الجمهورية لذوي االحتياجات .كنت أنا مجرد أحد المشاهدين، كرسي المتحرك حتى وصلت لباب الفرق ،أوقفتها دفعت عجالت ّ وعبرت عن إعجابي بأدائها .بالطبع انضممت لنفس ناديها ونفس فريقها ،ال أنكر تتبعي ألدائها فلديها ميدالية برونزية.
معدل ضرباتي تسعون ضربة في الدقيقة ،تزيد عن المئة في المسابقات الرسمية .هي حصلت على البرونزية بست وسبعين ضربة ال غير ،ميدالية ذهبية في أول مسابقة ورقم جديد يقترب من أرقام البطوالت العادية. أنا فقط كنت أحاول لفت نظرها ،ال ...أنا أحاول كيدها وإغاظتها، كرسي، للتحرك بينما أنا جالس علي تستطيع أن تستخدم عكازيها ّ ُّ تتحرك ،هل فعال إنها فعال أفضل من ّي ،أنظر إلى عكازيها وهي ّ أحسدها عليه ؟ أم أشفق على جمالها المنقوص ؟ عندما ترى نظرتي إلى العكازين ترسم ابتسامتها الزجاجية .بعد فترة أصبحت ال تبتسم، 84
إلي فقط ترد النظرة بنظرة إلى عجل الكرسي، وأخيرا أصبحت تنظر ّ ً شرارا يخرج من عينيها عبر دمعة محبوسة. بكراهية ،وكأن هناك ً
طلبت من الكابتن أن يد ّبر مباراة بيننا في التدريب ،وانهزمت لها عن طيب خاطر ،هل حقا كنت أريد أن تهدأ نفسها ؟ أم كنت أحاول إرضاءها ولفت نظرها ؟ هل اكتشفت الخدعة أم صدقت فعال أنها هزمتني ؟
إلى بسخرية، بينما أوشوش المعالج بأني تركت لها المبارة نظر ّ وكأني أرفض االعتراف بالهزيمة ! امتنعت عن الكالم وآمنت استفزها الحديث عن خوض مباراة زوجية نكون فيها بهزيمتي. ّ أنا وهي شريكين ،نظرت إلى عجل الكرسي وإلى وجهي من أسفل مرتين وانصرفت دون كالم. ألعلى ّ شهورا عديدة ،بالسؤال عنها تبين أنها اجرت غابت عن الفريق ً عملية جراحية .جبنت عن االتصال بها وتتبعت أخبارها من على البعد ،ولكني لم أكن مطمئن ًا.
عادت بعد أشهر وهي تمشي بال عكاز .نجحت العملية في التخلص من أثر شلل األطفال ،ونجحت هي في إخفاء زكّة خفيفة في سيرها. انتقلت للفريق األساسي وبقيت أنا من ذوي االحتياجات الخاصة، ً بدل من أن أخبرها بتع ّلقي بها وامتناني ألنها شفيت ،أخبرتها أن معدل صحتها. ضرباتي ما زال أعلى من معدل ضرباتها وهي في كامل ّ
85
السيد خشبة يحمل سيفًا وال يوم من أيامك يا معلم يعقوب.
حدثت بها نفسي وأنا خارج من خلف الجامع األحمر بالرويعي متجها إلى جسر الخليج ألعبر منه للخرنفش ،حيث سراي أبناء الشيخ السادات ألصلح لهم بعض أمور النجارة.
على ناصية الجسر أوقفني جندي شركسي وبعثر محتويات الخرج ،دفع عمامتي السوداء عن رأسي وفتش في نطاقي عن سالح مخفي لم يجده ،جذبني من صليبي الخشبي المتدلي من رقبتي إلى صدري ،مسح زيت يده في جلبابي ،ولم يتركني إال بعدما سبّني وأمرني ّ بأل أد ّلي العمامة على جبهتي أخفي بها وشم الصليب.
قمعت غضبي داخلي وتذكرت أيام المعلم يعقوب (كنت في مجموع من جاءوا من الصعيد وانضموا لفرقة حارة النصارى ،كنا نركب البغال ونمشي في األسواق ،أذقناهم ما كانوا يسممون أبداننا 87
به ،حرمناهم ركوب البغال ووقفنا على نواصي األسواق ندفع عمامتهم البيضاء عن رؤوسهم لكن الجنرال مينو أصدر أوامره بالكف عن ذلك). ّ عدلت هندامي وأكملت طريقي ،قرعت بوابة البيت فتحت لي جارية حبشية حالكة السواد يتع ّلق في جلبابها طفل ال يصل طوله لنطاقها ،بشْ رته أفتح منها قليال ولون عينيه أزرق ،خمنت أنها ممن تعلقوا بالفرنسيس ،سألتها عن حاجتهم في النجارة ،أشارت إلى المضيفة وطلبت تصليح المقاعد والدكك.
«كنت أرتدي بدلتي العسكرية الحمراء وأضع على رأسي قبعة لها فرو أسود ،لوال لون بشرتي لظن الناس أنني من الفرنسيس ،وقفت عند حائط بيت السادات وفككت نطاق السروال وأنزلته وأفرغت إلي بغضب ،ابتسمت عندما مائي كما يفعل الفرنسيس ،رأيتهم ينظرون ّ رأيت الخوف في أعينهم مني ،النساء تهرب من أمامي وه ّن تخفين هتفت بإحداهن: أعينهن البادية من اليشمك بأيديه ّن، ُ «»Charmante
تبسم وبريق ،جذبت اليشمك من إلي وفي عينيها ّ كانت تنظر ّ وجهها فصرخت ضاحكة وهربت مني».
عشّ قت خشب الدكك وأصلحت حالها ،قدمت لي الحبشية قرعة ثريد مخفوق باللبن ،تربعت على األرضية وتناولته ،سألتها عن الطفل هل هو ابنها؟ ،أومأت برأسها باإليجاب وانفلتت من أمامي حتى 88
األجر مع ال أجرجر الكالم ،ث ّم التفتت تسألني عن أجري ،أرسلت َ غالم من خدم سيّدها وأوصلني للخارج.
«كانت الحبشيات تقفزن من فوق سور الرويعي ويعبرن المتاريس إلى قلعة الجنرال يعقوب يبحثن عن الفرنسيس ،لما علمن أنهم يقصدون النساء دون تفريق فال يه ّمهم في األنثى سوى فرجها ،وكنا نصيب منهن ما نريد ،وكنت أمشي أمام بغل يحمل سيدة فرنسية أدفع وتتحسس عنها العوام والمتطفلين وكانت تتمايل على المكاري تقبّله ّ صدره العاري ،وكنت أحسده على ما يالقيه منها ،بعض نساء العوا ّم خاصة من ُخطِف من بوالق، تشبهن بنساء الفرنسيس فلبسن ز ّيهنّ ، وغصبن على المواقعة فرفعوا النقاب وكشفوا صدورهن وتمايلوا فذقناهم كما استطعمنا نساء الفرنسيس».
سحبت بغلي خلفي منتظرا عبور الجسر عودة إلى بيتي في حارة التفت النصارى ،وأنا أخشى مقابلة الجندي الشركسي مرة أخرى، ُّ يميني ويساري ولما اطمأننت أ ّن الطريق ٍ خال من العسكر قفزت فوق كرباجا أمر من الطريق سوى بضعة عشر ذراعا حتّى وجدت ً البغل ،لم ّ يدمي ظهري فقفزت من فوق البغل وركضت تاركا إ ّياه.
89